وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ
نفى تعالى عنه الغفلة عن خلقه وهو ما خلقه تعالى فهو حافظ السماوات من السقوط وحافظ عباده بما يصلحهم ، أي هم بمرأى منا ندبرهم كما نشاء
بِقَدَرٍ
بتقدير منا معلوم لا يزيد ولا ينقص بحسب حاجات الخلق ومصالحهم
فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ
أي جعلنا مقره في الأرض . وعن ابن عباس : أنزل اللّه من الجنة خمسة أنهار جيحون وسيحون ودجلة والفرات والنيل . وفي قوله
فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ
دليل على أن مقر ما نزل من السماء هو في الأرض ، فمنه الأنهار والعيون والآبار وكما أنزله تعالى بقدرته هو قادر على إذهابه . قال الزمخشري :
عَلى ذَهابٍ بِهِ
من أوقع النكرات وأحزها للمفصل والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه انتهى . و
ذَهابٍ
مصدر ذهب ، والباء في
بِهِ
للتعدية مرادفة للهمزة كقوله
لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ
« 1 » أي لأذهب سمعهم . وفي ذلك وعيد وتهديد أي في قدرتنا إذهابه فتهلكون بالعطش أنتم ومواشيكم ، وهذا أبلغ في الإيعاد من قوله
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
« 2 » وقال مجاهد : ليس في الأرض ماء إلّا وهو من السماء . قال ابن عطية :
ويمكن أن يقيد هذا بالعذاب وإلّا فالأجاج نابت في الأرض مع القحط والعذب يقل مع القحط ، وأيضا فالأحاديث تقتضي الماء الذي كان قبل خلق السماوات والأرض ، ولا محالة أن اللّه قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء انتهى . وقيل : ما نزل من السماء أصله من البحر ، رفعه تعالى بلطفه وحسن تقديره من البحر إلى السماء حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد ، ثم أنزله إلى الأرض لينتفع به ولو كان باقيا على حاله ما انتفع به من ملوحته .
ولما ذكر تعالى نعمة الماء ذكر ما ينشأ عنه فقال
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ
وخص هذه الأنواع الثلاثة من النخل والعنب والزيتون لأنها أكرم الشجر وأجمعها للمنافع ، ووصف النخل والعنب بقوله
لَكُمْ فِيها
إلى آخره لأن ثمرهما جامع بين أمرين أنه فاكهة يتفكه بها ، وطعام يؤكل رطبا ويابسا رطبا وعنبا وتمرا وزبيبا ، والزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعا ، ويحتمل أن يكون قوله
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
من قولهم : فلان يأكل من حرفة يحترفها ، ومن صنعة يغتلها ، ومن تجارة يتربح بها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه . كأنه قال : وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها ترتزقون وتتعيشون قاله الزمخشري . وقال الطبري : وذكر النخيل والأعناب لأنها ثمرة الحجاز
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 201 .
( 2 ) سورة الملك : 67 / 30 .