تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
يتحد الزمان . وقيل : الجمع بين الوصفين كونها رخاء في نفسها طيبة كالنسيم عاصفة في عملها تبعد في مدة يسيرة كما قال تعالى
غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
« 1 » . وقيل : الرخاء في البداءة والعصف بعد ذلك في التقول على عادة البشر في الإسراع إلى الوطن ، وهذا القول راجع إلى اختلاف الزمان وجريها بأمره طاعتها له على حسب ما يريد ، ويأمر . و
الْأَرْضِ
أرض الشام وكانت مسكنه ومقر ملكه . وقيل : أرض فلسطين . وقيل : بيت المقدس . قال الكلبي كان يركب عليها من إصطخر إلى الشام . قيل : ويحتمل أن تكون
الْأَرْضِ
التي يسير إليها سليمان كائنة ما كانت ووصفت بالبركة لأنه إذا حل أرضا أصلحها بقتل كفارها وإثبات الإيمان فيها وبث العدل ، ولا بركة أعظم من هذا . والظاهر : أن
الَّتِي بارَكْنا
صفة للأرض . وقال منذر بن سعيد : الكلام تام عند قوله
إِلى الْأَرْضِ
و
الَّتِي بارَكْنا فِيها
صفة للريح ففي الآية تقديم وتأخير ، يعني أن أصل التركيب ولسليمان الريح
الَّتِي بارَكْنا فِيها
عاصفة تجري بأمره
إِلى الْأَرْضِ
. وعن وهب : كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره ، وكان لا يقعد عن الغزو فيأمر بخشب فيمد والناس عليه والدواب وآلة الحرب ، ثم يأمر العاصف فيقله ثم يأمر الرخاء فتمر به شهرا في رواحة وشهرا في غدوه . و عن مقاتل : نسجت له الشياطين بساطا ذهبا في إبريسم فرسخا في فرسخ ، ووضعت له في وسطه منبرا من ذهب يقعد عليه وحوله كراسي من ذهب يقعد عليها الأنبياء ، وكراسي من فضة يقعد عليها العلماء ، وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين ، والطير تظله من الشمس ، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح ، وقد أكثر الأخباريون في ملك سليمان ولا ينبغي أن يعتمد إلّا على ما قصه اللّه في كتابه وفي حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولما كانت هذه الاختصاصات في غاية الغرابة من المعهود ، أخبر تعالى أن علمه محيط بالأشياء يجريها على ما سبق به علمه ، ولما ذكر تعالى تسخير الريح له وهي جسم شفاف لا يعقل وهي لا تدرك بالبصر ذكر تسخير الشياطين له ، وهم أجسام لطيفة تعقل والجامع بينهما أيضا سرعة الانتقال ألا ترى إلى قوله
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ
« 2 »
وَمِنَ
في موضع نصب أي وسخرنا
مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ
هامش
( 1 ) سورة سبأ : 34 / 12 . ( 2 ) سورة النمل : 27 / 39 .