تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
الزمخشري : كما خلقه يعني الكلام في الشجرة حين كلم موسى انتهى . وهو قول المعتزلة ينفون صفة الكلام حقيقة عن اللّه تعالى . وقيل : إسناد التسبيح إليهن مجاز لما كانت تسير بتسيير اللّه حملت من رآها على التسبيح فأسند إليها ، والأكثرون على تسبيحهن هو قول سبحان اللّه . وانتصب
وَالطَّيْرَ
عطفا على
الْجِبالَ
ولا يلزم من العطف دخوله في قيد التسبيح . وقيل : هو مفعول معه أي يسبحن مع الطير . وقرئ
وَالطَّيْرَ
مرفوعا على الابتداء والخبر محذوف أي مسخر لدلالة سخرنا عليه ، أو على الضمير المرفوع في
يُسَبِّحْنَ
على مذهب الكوفيين وهو توجيه قراءة شاذة . وقال الزمخشري : فإن قلت : لم قدمت
الْجِبالَ
على
الطَّيْرَ
؟ قلت : لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة ، وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق انتهى . وقوله : ناطق إن عنى به أنه ذو نفس ناطقة كما يقولون في حد الإنسان أنه حيوان ناطق فيلزم أن يكون الطير إنسانا ، وإن عنى أنه متكلم كما يتكلم الإنسان فليس بصحيح وإنما عنى به مصوّت أي له صوت ، ووصف الطير بالنطق مجاز لأنها في الحقيقة لا نطق لها . وقوله
وَكُنَّا فاعِلِينَ
أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهنّ والطير لمن نخصه بكرامتنا
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ
اللبوس الملبوس فعول بمعنى مفعول كالركوب بمعنى المركوب ، وهو الدرع هنا . واللبوس ما يلبس . قال الشاعر :
عليها أسود ضاريات لبوسهم * سوابغ بيض لا يخرّقها النبل
قال قتادة : كانت صفائح فأول من سردها وحلقها داود فجمعت الخفة والتحصين . وقيل : اللبوس كل آلة السلاح من سيف ورمح ودرع وبيضة وما يجري مجرى ذلك ، وداود أول من صنع الدروع التي تسمى الزرد . قيل : نزل ملكان من السماء فمرا بداود فقال أحدهما للآخر : نعم الرجل إلّا أنه يأكل من بيت المال ، فسأل اللّه أن يرزقه من كسبه فألان له الحديد فصنع منه الدروع امتن تعالى عليه بإيتائه حكما وعلما وتسخير الجبال والطير معه وتعليم صنعة اللبوس ، وفي ذلك فضل هذه الصنعة إذ أسند تعليمها إياه إليه تعالى . ثم امتن علينا بها بقوله
لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ
أي ليكون وقاية لكم في حربكم وسبب نجاة من عدوّكم . وقرئ
لَبُوسٍ
بضم اللام والجمهور بفتحها . وقرأ الجمهور : ليحصنكم بياء الغيبة أي اللّه فيكون التفاتا إذ جاء بعد ضمير متكلم في
وَعَلَّمْناهُ
ويدل
البحر المحيط في التفسير — صفحة 456 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل