أنذروا به ، ولو كان يسيرا نادوا بالهلاك وأقروا بأنهم كانوا ظالمين ، نبهوا على العلة التي أوجبت لهم العذاب وهو ظلم الكفر وذلوا وأذعنوا . قال ابن عباس :
نَفْحَةٌ
طرف وعنه هو الجوع الذي نزل بمكة . وقال ابن جريج : نصيب من قولهم نفح له من العطاء نفحة إذا أعطاه نصيبا وفي قوله
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ
ثلاث مبالغات لفظ المس ، وما في مدلول النفح من القلة إذ هو الربح اليسير أو ما يرضخ من العطية ، وبناء المرة منه ولم يأت نفح فالمعنى أنه بأدنى إصابة من أقل العذاب أذعنوا وخضعوا وأقروا بأن سبب ذلك ظلمهم السابق .
ولما ذكر حالهم في الدنيا إذا أصيبوا بشيء استطرد لما يكون في الآخرة التي هي مقر الثواب والعقاب ، فأخبر تعالى عن عدله وأسند ذلك إلى نفسه بنون العظمة فقال
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ
وتقدم الكلام في الموازين في أول الأعراف ، واختلاف الناس في ذلك هل ثم ميزان حقيقة وهو قول الجمهور أو ذلك على سبيل التمثيل عن المبالغة في العدل التام وهو قول الضحاك وقتادة ؟ قالا : ليس ثم ميزان ولكنه العدل والقسط مصدر وصفت به الموازين مبالغة كأنها جعلت في أنفسها القسط ، أو على حذف مضاف أي ذوات
الْقِسْطَ
ويجوز أن يكون مفعولا لأجله أي لأجل
الْقِسْطَ
. وقرئ القصط بالصاد .
واللام في
لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
قال الزمخشري : مثلها في قولك : جئت لخمس ليال خلون من الشهر . ومنه بيت النابغة :
ترسمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع
انتهى . وذهب الكوفيون إلى أن اللام تكون بمعنى في ووافقهم ابن قتيبة من المتقدمين ، وابن مالك من أصحابنا المتأخرين ، وجعل من ذلك قوله
الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
أي في يوم ، وكذلك لا يجليها لوقتها إلّا هو أي في وقتها وأنشد شاهدا على ذلك لمسكين الدارمي :
أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم * كما قد مضى من قبل عاد وتبع
وقول الآخر :
وكل أب وابن وإن عمرا معا * مقيمين مفقود لوقت وفاقد
وقيل اللام هنا للتعليل على حذف مضاف ، أي لحساب يوم القيامة و
شَيْئاً
مفعول ثان أو مصدر .