تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ
من العيش الرافه والحال الناعمة ، والإتراف إبطار النعمة وهي الترفة
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ
غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة ، أو
ارْجِعُوا
واجلسوا كما كنتم في مجالسكم وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم ، ويقولوا لكم : بم تأمرون وما ذا ترسمون ، وكيف نأتي ونذر كعادة المنعمين المخدمين ، أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب ويستشيرونكم في المهمات والعوارض ويستشفون بتدابيركم ويستضيئون بآرائكم أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ، ويستمطرون سحائب أكفكم ويميرون إخلاف معروفكم وأياديكم إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رياء الناس وطلب الثناء ، أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم وتوبيخا إلى توبيخ انتهى . ونداء الويل هو على سبيل المجاز كأنهم قالوا : يا ويل هذا زمانك ، وتقدم تفسير الويل في البقرة . والظلم هنا الإشراك وتكذيب الرسل وإيقاع أنفسهم في الهلاك ، واسم
زالَتْ
هو اسم الإشارة وهو
تِلْكَ
وهو إشارة إلى الجملة المقولة أي فما زالت تلك الدعوى
دَعْواهُمْ
. قال المفسرون : فما زالوا يكررون تلك الكلمة فلم تنفعهم كقوله
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
« 1 » والدعوى مصدر دعا يقال : دعا دعوى ودعوة كقوله
وَآخِرُ دَعْواهُمْ
« 2 » لأن المويل كأنه يدعو الويل . وقال الحوفي : وتبعه الزمخشري وأبو البقاء :
تِلْكَ
اسم
زالَتْ
و
دَعْواهُمْ
الخبر ، ويجوز أن يكون
دَعْواهُمْ
اسم
زالَتْ
و
تِلْكَ
في موضع الخبر انتهى . وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء قاله الزجاج قبلهم ، وأما أصحابنا المتأخرون فاسم كان وخبرها مشبه بالفاعل والمفعول ، فكما لا يجوز في باب الفاعل والمفعول إذا ألبس أن يكون المتقدم الخبر والمتأخر الاسم لا يجوز ذلك في باب كان ، فإذا قلت : كان موسى صديقي لم يجز في موسى إلا أن يكون اسم كان وصديقي الخبر ، كقولك : ضرب موسى عيسى ، فموسى الفاعل وعيسى المفعول ، ولم ينازع في هذا من متأخري أصحابنا إلّا أبو العباس أحمد بن عليّ عرّف بابن الحاج وهو من تلاميذ الأستاذ أبو عليّ الشلوبين ونبهائهم ، فأجاز أن يكون المتقدم هو المفعول والمتأخر هو الفاعل وأن ألبس فعلى ما قرره جمهور الأصحاب يتعين أن يكون
تِلْكَ
اسم
زالَتْ
و
دَعْواهُمْ
الخبر .
هامش
( 1 ) سورة غافر : 40 / 85 . ( 2 ) سورة يونس : 10 / 10 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 414 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل