تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
في تقريره وجهان . أحدهما : أن الطائر إذا ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه ، فخفض الجناح كناية عن حسن التدبير وكأنه قيل للولد اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك . الثاني : أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه ، وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه . وقال ابن عطية : استعارة أي اقطعهما جانب الذل منك ودمث لهما نفسك وخلقك ، وبولغ بذكر الذل هنا ولم يذكر في قوله :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
« 1 » وذلك بسبب عظم الحق انتهى . وبسبب شرف المأمور فإنه لا يناسب نسبة الذل إليه . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى
جَناحَ الذُّلِّ
؟ قلت : فيه وجهان . أحدهما : أن يكون المعنى واخفض لهما جناحك كما قال :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
« 2 » فاضافه إلى الذل أو الذل كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول . والثاني : أن يجعل لذله أو لذله جناحا خفيضا كما جعل لبيد للشمال يدا ، وللقرة زمانا مبالغة في التذلل والتواضع لهما انتهى . والمعنى أنه جعل اللين ذلا واستعار له جناحا ثم رشح هذا المجاز بأن أمر بخفضه . وحكي أن أبا تمام لما نظم قوله :
لا تسقني ماء الملام فإنني * صب قد استعذبت ماء بكائيا
جاءه رجل بقصعة وقال له أعطني شيئا من ماء الملام ، فقال له : حتى تأتيني بريشة من جناح الذل . وجناحا الإنسان جانباه ، فالمعنى واخفض لهما جانبك ولا ترفعه فعل المتكبر عليهما . وقال بعض المتأخرين فأحسن :
أراشوا جناحي ثم بلوه بالندى * فلم أستطع من أرضهم طيرانا
وقرأ الجمهور من
الذُّلِّ
بضم الذال . وقرأ ابن عباس وعروة بن جبير والجحدري وابن وثاب بكسر الذال وذلك على الاستعارة في الناس لأن ذلك يستعمل في الدواب في ضد الصعوبة ، كما أن الذل بالضم في ضد الغير من الناس ، ومن الظاهر أنها للسبب أي الحامل لك على خفض الجناح هو رحمتك لهما إذ صارا مفتقرين لك حالة الكبر كما كنت مفتقرا إليهما حالة الصغر . قال أبو البقاء :
مِنَ الرَّحْمَةِ
أي من أجل الرحمة ، أي من أجل رفقك بهما فمن متعلقة بأخفض ، ويجوز أن يكون حالا من جناح . وقال ابن عطية :
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 215 . ( 2 ) سورة الحجر : 15 / 88 .