تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
السلام أول نبيّ أوحي إليه أن اللّه لا يغفر لكافر لأن هذه الطريقة إنما طريقها السمع ، وكانت هذه المقالة منه لأبيه قبل أن يوحى إليه ، وذلك أنه إنما تبين له في أبيه أنه عدو للّه بأحد وجهين : إما بموته على الكفر كما روي ، وإما أن يوحي إليه الحتم عليه . وقال الزمخشري : ولقائل أن يقول الذي يمنع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع ، فأما القضية العقلية فلا تأباه ، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع بناء على قضية العقل ، والذي يدل على صحته قوله تعالى
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
« 1 » فلو كان شارطا للإيمان لم يكن مستنكرا ومستثنى عما وجب فيه . وقول من قال إنما استغفر له لأنه وعده أن يؤمن مستدلا بقوله
إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
« 2 » فجعل الواعد آزر والموعود إبراهيم عليه السلام ليس بجيد لاعتقابه في هذه الآية الوعد بالاستغفار بعد ذلك القول الجافي في قوله
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ
الآية . فكيف يكون وعده بالإيمان ؟ ولأن الواعد هو إبراهيم ويدل عليه قراءة حماد الراوية وعدها إياه . والحفي المكرم المحتفل الكثير البر والألطاف ، وتقدم شرحه لغة في قوله
كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها
« 3 » . وقال ابن عباس : رحيما . وقال الكلبي : حليما . وقال القتبي : بارا . وقال السدي : حفيك من يهمه أمرك ، ولما كان في قوله
لَأَرْجُمَنَّكَ
فظاظة وقساوة قلب قابله بالدعاء له بالسلام والأمن ووعده بالاستغفار قضاء لحق الأبوة ، وإن كان قد صدر منه إغلاظ . ولما أمره بهجره الزمان الطويل أخبره بأنه يتمثل أمره ويعتزله وقومه ومعبوداتهم ، فهاجر إلى الشام قيل أو إلى حران وكانوا بأرض كوثاء ، وفي هجرته هذه تزوج سارة ولقي الجبار الذي أخدم سارة هاجر ، والأظهر أن قوله
وَأَدْعُوا رَبِّي
معناه وأعبد ربي كما جاء في الحديث : « الدعاء العبادة » لقوله
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
ويجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه اللّه في سورة الشعراء
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
« 4 » إلى آخره ، وعرض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله
عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا
مع التواضع للّه في كلمة
عَسى
وما فيه من هضم النفس . وفي
عَسى
ترج في ضمنه خوف شديد ، ولما فارق الكفار وأرضهم أبدله منهم أولادا أنبياء ، والأرض المقدّسة فكان فيها ويتردد إلى مكة فولد له إسحاق وابنه يعقوب تسلية له وشدّا لعضده ، وإسحاق أصغر من إسماعيل ، ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت سارة ثم حملت بإسحاق .
هامش
( 1 ) سورة الممتحنة : 60 / 4 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 114 . ( 3 ) سورة الأعراف : 7 / 187 . ( 4 ) سورة الشعراء : 26 / 83 .