تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جزل الغضا
وبعضهم أعرب
شَيْباً
مصدرا قال : لأن معنى
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ
شاب فهو مصدر من المعنى . وقيل : هو مصدر في موضع نصب على الحال ، واشتعال الرأس استعارة المحسوس للمحسوس إذ المستعار منه النار والمستعار له الشيب ، والجامع بينهما الانبساط والانتشار
وَلَمْ أَكُنْ
نفي فيما مضى أي ما كنت
بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
بل كنت سعيدا موفقا إذ كنت تجيب دعائي فأسعد بذلك ، فعلى هذا الكاف مفعول . وقيل : المعنى
بِدُعائِكَ
إلى الإيمان
شَقِيًّا
بل كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصا . فالكاف على هذا فاعل والأظهر الأول شكرا للّه تعالى بما سلف إليه من إنعامه عليه ، أي قد أحسنت إليّ فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن تجيبني آخر كما أجبتني أولا . وروي أن حاتما الطائي أتاه طالب حاجة فقال : أنا أحسنت إليك وقت كذا ، فقال حاتم : مرحبا بالذي توسل بنا إلينا وقضى حاجته .
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
الْمَوالِيَ
بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب . قال الشاعر :
مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
وقال لبيد :
ومولى قد دفعت الضيم عنه * وقد أمسى بمنزلة المضيم
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح
الْمَوالِيَ
هنا الكلالة خاف أن يرثوا ماله وأن يرثه الكلالة . وروى قتادة والحسن عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « يرحم اللّه أخي زكريا ما كان عليه ممن يرث ماله » . وقالت فرقة : إنما كان مواليه مهملين الدين فخاف بموته أن يضيع الدين فطلب وليا يقوم بالدين بعده ، وهذا لا يصح عنه إذ قال عليه السلام : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة » والظاهر اللائق بزكريا عليه السلام من حيث هو معصوم أنه لا يطلب الولد لأجل ما يخلفه من حطام الدنيا . وكذلك قول من قال : إنما خاف أن تنقطع النبوّة من ولده ويرجع إلى عصبته لأن تلك إنما يضعها اللّه حيث شاء ولا يعترض على اللّه فيمن شاءه واصطفاه من عباده . قال الزمخشري كان مواليه وهم عصبته إخوته وبنو عمه شرار بني إسرائيل فخافهم على الدين أن يغيروه وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته ، فطلب عقبا صالحا من صلبه يقتدى به في إحياء الدين .