تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
والظاهر أن معنى
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
فخرج عما أمره ربه به من السجود . قال رؤبة :
يهوين في نجد وغورا غائرا * فواسقا عن قصدها جوائرا
وقيل :
فَفَسَقَ
صار فاسقا كافرا بسبب أمر ربه الذي هو قوله
اسْجُدُوا لِآدَمَ
حيث لم يمتثله . قيل : ويحتمل أن يكون المعنى
فَفَسَقَ
بأمر ربه أي بمشيئته وقضائه لأن المشيئة يطلق عليها أمر كما تقول : فعلت ذلك عن أمرك أي بحسب مرادك ، والهمزة في
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ
للتوبيخ والإنكار والتعجب أي أبعد ما ظهر منه من الفسق والعصيان تتخذونه وذريته أولياء من دوني مع ثبوت عداوته لكم تتخذونه وليا . وقرأ عبيد اللّه بن زياد على المنبر وهو يخطب
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ
بفتح الذال ، والظاهر أن لإبليس ذرية وقال بذلك قوم منهم قتادة والشعبي وابن زيد والضحاك والأعمش . قال قتادة : ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم . وقال الشعبي : لا يكون ذرية إلّا من زوجة . وقال ابن زيد : إن اللّه قال لإبليس إني لا أخلق لآدم ذرية إلّا ذرأت لك مثلها ، فليس يولد لولد آدم ولد إلّا ولد معه شيطان يقرن به . و قيل للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : ألك شيطان ؟ قال : « نعم إلا أنّ اللّه تعالى أعانني عليه فأسلم » . وسمى الضحاك وغيره من ذرية إبليس جماعة اللّه أعلم بصحة ذلك ، وكذلك ذكروا كيفيات في وطئه وإنساله اللّه أعلم بذلك ، وذهب قوم إلى أنه ليس لإبليس ولد وإنما الشياطين هم الذين يعينونه على بلوغ مقاصده ، والمخصوص بالذم محذوف أي
بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
من اللّه إبليس وذريته وقال
لِلظَّالِمِينَ
لأنهم اعتاضوا من الحق بالباطل وجعلوا مكان ولايتهم إبليس وذريته ، وهذا نفس الظالم لأنه وضع الشيء في غيره موضعه . وقرأ الجمهور
ما أَشْهَدْتُهُمْ
بتاء المتكلم . وقرأ أبو جعفر وشيبة والسختياني وعون العقيلي وابن مقسم : ما أشهدناهم بنون العظمة ، والظاهر عود ضمير المفعول في
أَشْهَدْتُهُمْ
على إبليس وذريته أي لم أشاورهم في
خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ
بل خلقتهم على ما أردت ، ولهذا قال
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
. وقال الزمخشري : يعني إنكم اتخذتم شركاء لي في العبادة وإنما كانوا يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله :
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
لا أعتضد بهم في خلقها
وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ
أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
« 1 » وما كنت متخذهم أعوانا فوضع
الْمُضِلِّينَ
موضع
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 29 .