تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
وقال أبو عبد اللّه الرازي : الأرواح والنفوس مختلفة بماهيتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور ، وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال ونكال انتهى . وثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود أنه قال : إني مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حرث بالمدينة وهو متكئ على عسيب ، فمر بنا ناس من اليهود فقال : سلوه عن الروح فقال بعضهم : لا تسألوه فسيفتيكم بما تكرهون فأتاه نفر منهم فقالوا : يا أبا القاسم ما تقول في الروح ؟ فسكت ثم ماج فأمسكت بيدي على جبهته ، فعرفت أنه ينزل عليه فأنزل عليه
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
الآية . وروي أن يهود قالوا لقريش : سلوه عن الروح وعن فتية فقدوا في أول الزمان ، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها فإن أجاب في ذلك كله أو لم يجب في شيء فهو كذاب ، وإن أجاب في بعض ذلك وسكت عن بعض فهو نبي . وفي طرق هذا : إن فسر الثلاثة فهو كذاب وإن سكت عن الروح فهو نبي فنزل في شأن الفتية
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ
« 1 » ونزل في شأن الذي بلغ الشرق والغرب
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ
« 2 » ونزل في الروح
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
والظاهر من حديث ابن مسعود أن الآية مدنية ومن سؤال قريش أنها مكية ، والروح على قول الجمهور هنا الروح التي في الحيوان وهو اسم جنس وهو الظاهر . وقال قتادة : هو جبريل عليه السلام قال وكان ابن عباس يكتمه . وقيل : عيسى ابن مريم عليه السلام وعن عليّ أنه ملك ، وذكر من وصفه ما اللّه أعلم به ولا يصح عن عليّ . وقيل : الروح القرآن ويدل عليه الآية قبله والآية بعده . وقيل : خلق عظيم روحاني أعظم من الملك . وقيل : الروح جند من جنود اللّه لهم أيد وأرجل يأكلون الطعام ذكره العزيزي . وقال أبو صالح خلق كخلق آدم وليسوا بني آدم لهم أيد وأرجل ، ولا ينزل ملك من السماء إلّا ومعه واحد منهم ، والصحيح من هذه الأقوال القول الأول ، والظاهر أنهم سألوا عن ماهيتها وحقيقتها وقيل عن كيفية مداخلتها الجسد الحيواني وانبعاثها فيه وصورة ملابستها له ، وكلاهما مشكل لا يعلمه قبل إلّا اللّه . وقد رأيت كتابا يترجم بكتاب النفخة والتسوية لبعض الفقهاء المتصوفة يذكر فيها أن الجواب في قوله
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
إنما هو للعوام ، وأما الخواص فهم عنده يعرفون الروح ، وأجمع علماء الإسلام على أن الروح مخلوقة ، وذهب كفرة الفلاسفة وكثير ممن ينتمي إلى الإسلام إلى أنها قديمة
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 18 / 9 . ( 2 ) سورة الكهف : 18 / 38 .