وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً
.
لما ذكر تعالى تنويع ما أنزل من القرآن شفاء ورحمة للمؤمن وبزيادة خسار للظالم ، عرّض بما أنعم به وما حواه من لطائف الشرائع على الإنسان ، ومع ذلك
أَعْرَضَ
عنه وبعد بجانبه اشمئزازا له وتكبرا عن قرب سماعه وتبديلا مكان شكر الإنعام كفره . وقرأ الجمهور :
وَنَأى
من النأي وهو البعد ، وقرأ ابن عامر وناء . وقيل هو مقلوب نأى فمعناه بعد . وقيل : معناه نهض بجانبه . وقال الشاعر :
حتى إذا ما التأمت مفاصله * وناء في شق الشمال كاهله
أي نهض متوكئا على شماله . ومعنى
يَؤُساً
قنوطا من أن ينعم اللّه عليه . والظاهر أن المراد بالإنسان هنا ليس واحدا بعينه بل المراد به الجنس كقوله
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
« 1 »
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً
« 2 » الآية وهو راجع لمعنى الكافر ، والإعراض يكون بالوجه والنأي بالجانب يكون بتولية العطف أو يراد بنأي الجانب الاستكبار لأن ذلك من عادة المستكبرين . والشاكلة قال ابن عباس : ناحيته . وقال مجاهد : طبيعته . وقال الضحاك : حدّته . وقال قتادة والحسن : نيته . وقال ابن زيد : دينه . وقال مقاتل : خلقه وهذه أقوال متقاربة . وقال الزمخشري : على مذهب الذي يشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم طريق ذو شواكل وهي الطرق التي تشعبت منه ، والدليل عليه قوله
فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا
أي أشد مذهبا وطريقة .
وعن أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه : لم أر في القرآن آية أرجى من التي فيها
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ
« 3 » قدم الغفران قبل قبول التوبة . وعن عثمان رضي اللّه عنه لم أر آية أرجى من
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
« 4 » .
وعن عليّ كرّم اللّه وجهه ورضي عنه لم أر آية أرجى من
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
« 5 » الآية .
قالوا ذلك حين تذاكروا القرآن . وعن القرطبي : لم أر آية أرجى من
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
« 6 » الآية .
هامش
( 1 ) سورة العاديات : 100 / 6 .
( 2 ) سورة المعارج : 70 / 19 .
( 3 ) سورة غافر : 40 / 3 .
( 4 ) سورة الحجر : 15 / 49 .
( 5 ) سورة الزمر : 39 / 53 .
( 6 ) سورة الأنعام : 6 / 82 .