تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
أصحابنا وشيوخنا فزعم أنه لا يجوز إلا في الشعر ، لأنك تقدر على أن تأتي به متصلا فتقول : آتيك وزيدا . ولا يجوز عنده : رأيت زيدا وإياك إلا في الشعر ، وهذا وهم فاحش ، بل من موجب انفصال الضمير كونه يكون معطوفا فيجوز قام زيد وأنت ، وخرج بكر وأنا ، لا خلاف في جواز ذلك . فكذلك ضربت زيدا وإياك . والذين أوتوا الكتاب هو عام في الكتب الإلهية ، ولا ضرورة تدعو إلى تخصيص الذين أوتوا الكتاب باليهود والنصارى كما ذهب إليه بعض المفسرين ، لأن وصية اللّه بالتقوى لم تزل مذ أوجد العالم ، فليست مخصوصة باليهود والنصارى . وإن اتقوا : يحتمل أن تكون مصدرية أي : بأن اتقوا اللّه ، وأن تكون مفسرة التقدير أي : اتقوا اللّه لأن وصينا فيه معنى القول .
وَإِنْ تَكْفُرُوا
ظاهره الخطاب لمن وقع له الخطاب بقوله : وإياكم ، وهم هذه الأمة ، ويحتمل أن يكون شاملا للذين أوتوا الكتاب وللمخاطبين ، وغلب الخطاب على ما تقرر في لسان العرب كما تقول : قلت لزيد ذلك لا تضرب عمرا ، وكما تقول : زيد وأنت تخرجان .
فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي أنتم من جملة من يملكه تعالى وهو المتصرف فيكم ، إذ هو خالقكم والمنعم عليكم بأصناف النعم وأنتم مملوكون له ، فلا يناسب أن تكفروا من هو مالككم وتخالفون مره ، بل حقه أن يطاع ولا يعصى ، وأن يتقى عقابه ويرجى ثوابه ، وللّه ما في سمائه وأرضه من يوحده ويعبده ولا يعصيه .
وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا
أي عن خلقه وعن عبادتهم لا تنفعه طاعتهم ، ولا يضره كفرهم .
حَمِيداً
أي مستحقا لأن يحمد لكثرة نعمه وإن كفرتموه أنتم .
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
الوكيل القائم بالأمور المنفذ فيها ما يراه ، فمن له ملك ما في السماوات والأرض فهو كاف فيما يتصرف فيه لا يعتمد على غيره . وأعاد قوله : وللّه ما في السماوات وما في الأرض ثلاث مرات بحسب السياق . فقال ابن عطية : الأول : تنبيه على موضع الرجاء يهدي المتفرقين . والثاني : تنبيه على استغنائه عن العباد . والثالث : مقدمة للوعيد . وقال الزمخشري : وتكرير قوله :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
تقرير لما هو موجب تقواه ليتقوه ، فيطيعوه ولا يعصوه ، لأن الخشية والتقوى أصل الخير كله . وقال
البحر المحيط في التفسير — صفحة 91 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل