تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
معروف بمشيئة اللّه تعالى . ونسبة الفعل إليهما يدل على أنّ لكل منهما مدخلا في التفرق ، وهو التفرق بالأبدان وتراخي المدة بزوال العصمة ، ولا يدل على أنه تفرق بالقول ، وهو طلاق لأنه مختص بالزوج ، ولا نصيب للمرأة في التفرق القولي ، فيسند إليها خلافا لمن ذهب إلى أنّ التفرق هاهنا هو بالقول وهو الطلاق . وقرأ زيد بن أفلح : وإن يتفارقا بألف المفاعلة أي : وإن يفارق كل منهما صاحبه . وهذه الآية نظير قوله تعالى :
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
« 1 » وقول العرب : إن لم يكن وفاق فطلاق . فنبه تعالى على أنّ لهما أن يتفارقا ، كما أنّ لهما أن يصطلحا . ودل ذلك على الجواز قالوا : وفي قوله تعالى : يغن اللّه كلا من سعته إشارة إلى الغنى بالمال . وكان الحسن بن علي رضي اللّه عنهما فيما رووا طلقة ذوقة فقيل له في ذلك فقال : إني رأيت اللّه تعالى علق الغنى بأمرين فقال :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى
« 2 » الآية ، وقال : وإن يتفرقا يغن اللّه كلا من سعته .
وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً
ناسب ذلك ذكر السعة ، لأنه تقدّم من سعته . والواسع عام في الغنى والقدرة والعلم وسائر الكمالات . وناسب ذكر وصف الحكمة ، وهو وضع الشيء موضع ما يناسب ، لأن السعة ما لم تكن معها الحكمة كانت إلى فساد أقرب منها للصلاح قاله الراغب . وقال ابن عباس : يريد فيما حكم ووعظ . وقال الكلبي : فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان . وقال الماتريدي : أو حيث ندب إلى الفرقة عند اختلافهما ، وعدم التسوية بينهما .
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
لما ذكر تعالى سعة رزقه وحكمته ، ذكر أنّ له ملك ما في السماوات وما في الأرض ، فلا يعتاض عليه غنى أحد ، ولا التوسعة عليه ، لأنّ من له ذلك هو الغنى المطلق .
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
وصينا : أمرنا أو عهدنا إليهم وإليكم ، ومن قبلكم : يحتمل أن يتعلق بأوتوا وهو الأقرب ، أو بوصينا . والمعنى : أن الوصية بالتقوى هي سنة اللّه مع الأمم الماضية فلستم مخصوصين بهذه الوصية . وإياكم عطف على الموصول ، وتقدّم الموصول لأن وصيته هي السابقة على وصينا فهو تقدم بالزمان . ومثل هذا العطف أعني : عطف الضمير المنصوب المنفصل على الظاهر فصيح جاء في القرآن وفي كلام العرب ، ولا يختص بالشعر ، وقد وهم في ذلك بعض
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 229 . ( 2 ) سورة النور : 24 / 32 .