تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
صِبْغَةَ اللَّهِ
« 1 » و
فِطْرَتَ اللَّهِ
« 2 » وعلى ذلك ما اطمأنت إليه النفس لمعرفتها به انتهى . وهذه نزغة اعتزالية في أنّ العقل يحسن ويقبح . وقيل : هذه الثلاثة تضمنت الأفعال الحسنة ، وبدأ بأكثرها نفعا وهو إيصال النفع إلى الغير ، ونبه بالمعروف على النوافل التي هي من الإحسان والتفضل ، والإصلاح بين الناس على سياستهم ، وما يؤدي إلى نظم شملهم انتهى . وقال عليه السّلام : « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قيل : بلى يا رسول اللّه ، قال : صلاح ذات البين » وخصّ من أمر بهذه الأشياء ، وفي ضمن ذلك أنّ الفاعل أكثر استحقاقا من الأمر ، وإذا كان الخير في نجوى الأمر به فلا يكون في من يفعله بطريق الأولى . .
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
لما ذكر أن الخير في من أمر ذكر ثواب من فعل ، ويجوز أن يريد : ومن يأمر بذلك ، فيعبر بالفعل عن الأمر ، كما يعبر به عن سائر الأفعال . وقرأ أبو عمرو وحمزة : يؤتيه بالياء ، والباقون بالنون على سبيل الالتفات ، ليناسب ما بعده من قوله :
نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ
« 3 » فيكون إسناد الثواب والعقاب إلى ضمير المتكلم العظيم ، وهو أبلغ من إسناده إلى ضمير الغائب . ومن قرأ بالياء لحظ الاسم الغائب في قوله : ابتغاء مرضاة اللّه ، وفي قوله : ابتغاء مرضاة اللّه دليل على أنه لا يجزي من الأعمال إلا ما كان فيه رضا اللّه تعالى ، وخلوصه للّه دون رياء ولا سمعة .
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
نزلت في طعمة بن أبيرق لما فضحه اللّه بسرقته ، وبرّأ اليهودي ، ارتد وذهب إلى مكة وتقدّم ذلك موته وسببه . ومما قيل فيه : إنه ركب في سفينة فسرق منها مالا فعلم به ، فألقي في البحر . وقيل : لما سرق الحجاج السلمي استحى الحجاج منه لأنه كان ضيفه فأطلقه ، فلحق بحيرة بني سليم فعبد صنما لهم ومات على الشرك . وقيل : نزلت في قوم طعمة قدموا فأسلموا ، ثم ارتدّوا . وتقدم معنى المشاقة في قوله :
فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ
« 4 » ومن يشاقق : عام فيندرج فيه طعمة وغيره من المشاقين من بعد ما تبين له الهدى : أي اتضح له الحق الذي هو سبب الهداية . ولو لم يكن إلا إخبار اللّه نبيه عليه السّلام بقصة طعمة واطلاعه إياه على ما بيتوه وزوّروه ، لكان له في ذلك أعظم
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 138 . ( 2 ) سورة الروم : 30 / 3 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 115 . ( 4 ) سورة البقرة : 2 / 137 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 66 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل