تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
للإنسان دون ذكر الجماد ودون ذكر ما يعمها من حيث قسوة المماثلة في الشعور بالأشياء والاهتداء إلى كثير من المصالح بخلاف الجماد ، وإن كانت القدرة متعلقة بجميع المخلوقات ودابة تقدّم شرحها ، وهي هنا في سياق النفي مصحوبة بمن التي تفيد استغراق الجنس ، فهي عامّة تشمل كل ما يدبّ فيندرج فيها الطائر ، فذكر الطائر بعد ذكر الدابة تخصيص بعد تعميم وذكر بعض من كلّ وصار من باب التجريد كقوله :
وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
« 1 » بعد ذكر الملائكة . وإنما جرد الطائر لأن تصرفه في الوجود دون غيره من الحيوان أبلغ في القدرة وأدل على عظمها من تصرف غيره من الحيوان في الأرض ، إذ الأرض جسم كثيف يمكن تصرف الأجرام عليها ، والهواء جسم لطيف لا يمكن عادة تصرف الأجرام الكثيفة فيها إلا بباهر القدرة الإلهية ، ولذلك قال تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ
« 2 » وجاء قوله في الأرض إشارة إلى تعميم جميع الأماكن لما كان لفظ
مِنْ دَابَّةٍ
وهو المتصرف أتى بالمتصرف فيه عاما وهو
الْأَرْضِ
، ويشمل الأرض البر والبحر ، ويطير بجناحيه تأكيد لقوله
وَلا طائِرٍ
لأنه لا طائر إلا يطير بجناحيه ، وليرفع المجاز الذي كان يحتمله قوله
وَلا طائِرٍ
لو اقتصر عليه ، ألا ترى إلى استعارة الطائر للعمل في قوله :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
« 3 » وقولهم : « طار لفلان كذا في القسمة » أي سهمه ، و « طائر السعد والنحس » وفيه تنبيه على تصور هيئته على حالة الطيران واستحضار لمشاهدة هذا الفعل الغريب . وجاء الوصف بلفظ « يطير » لأنه مشعر بالديمومة والغلبة ، لأن أكثر أحوال الطائر كونه يطير ، وقلّ ما يسكن ، حتى إن المحبوس منها يكثر ولوعه بالطيران في المكان الذي حبس فيه من قفص وغيره . وقرأ ابن أبي عبلة
وَلا طائِرٍ
بالرفع ، عطفا على موضع
دَابَّةٍ
. وجوزوا أن يكون
فِي الْأَرْضِ
في موضع رفع صفة على موضع
دَابَّةٍ
، وكذلك يقتضي أن يكون
يَطِيرُ
ويتعين ذلك في قراءة ابن أبي عبلة ، والباء في
بِجَناحَيْهِ
للاستعانة كقوله : « كتبت بالقلم » و
إِلَّا أُمَمٌ
هو خبر المبتدأ الذي هو
مِنْ دَابَّةٍ
وَلا طائِرٍ
وجمع الخبر وإن كان المبتدأ مفردا حملا على المعنى لأن المفرد هنا للاستغراق والمثلية هنا . قال الزمخشري أمثالكم مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم انتهى .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 98 . ( 2 ) سورة النحل : 16 / 79 . ( 3 ) سورة الإسراء : 17 / 13 .