تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
وإن رأوا سية طاروا بها فرحا * مني وما علموا من صالح دفنوا
فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
قيل : هذه جملة محذوفة تقديره : فوارى سوأة أخيه . والظاهر أن ندمه كان على قتل أخيه لما لحقه من عصيان وإسخاط أبويه ، وتبشيره أنه من أصحاب النار . وهذا يدل على أنه كان عاصيا لا كافرا . قيل : ولم ينفعه ندمه ، لأن كون الندم توبة خاص بهذه الأمة . وقيل : من النادمين على حمله . وقيل : من النادمين خوف الفضيحة . وقال الزمخشري : من النادمين على قتله لما تعب فيه من حمله ، وتحيره في أمر ، وتبين له من عجزه وتلمذته للغراب ، واسوداد لونه ، وسخط أبيه ، ولم يندم ندم التائبين انتهى . وقد اختلف العلماء في قابيل ، أكان كافرا أم عاصيا ؟ وفي الحديث : « إن اللّه ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرها ودعوا شرها » وحكى المفسرون عجائب مما جرى بقتل هابيل من رجفان الأرض سبعة أيام ، وشرب الأرض دمه ، وإيسال الشجر ، وتغير الأطعمة ، وحموضة الفواكه ، ومرارة الماء ، واغبرار الأرض ، وهرب قابيل بأخته إقليميا إلى عدن من أرض اليمن ، وعبادته النار ، وانهماك أولاده في اتخاذ آلات اللهو وشرب الخمر والزنا والفواحش حتى أغرقهم اللّه بالطوفان ، واللّه أعلم بصحة ذلك . قال الزمخشري . وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك ، وأنه رثاه بشعر . وهو كذب بحت ، وما الشعر إلا منحول ملحون . وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر . وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال : من قال إنّ آدم قال شعرا فهو كذب ، ورمى ردم بما لا يليق بالنبوّة ، لأن محمدا والأنبياء عليهم السّلام ، كلهم في النفي عن الشعر سواء . قال اللّه تعالى :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
« 1 » ولكنه كان ينوح عليه ، وهو أول شهيد كان على وجه الأرض ويصف حزنه عليه نثرا من الكلام شبه المرثية ، فتناسخته القرون وحفظوا كلامه ، فلما وصل إلى يعرب بن قحطان وهو أول من خط بالعربية فنظمه فقال :
تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبر قبيح
وذكر بعد هذا البيت ستة أبيات ، وأنّ إبليس أجابه في الوزن والقافية بخمسة أبيات . وقول الزمخشري في الشعر : إنه ملحون ، يشير فيه إلى البيت وهو الثاني :
هامش
( 1 ) سورة يس : 36 / 69 .