تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
سياق الآية . والظاهر أنّ قوله : وقضى بينهم بالقسط ، جملة أخبار مستأنفة ، وليست معطوفة على ما في حيز لما ، وأن الضمير في بينهم عائد على كل نفس ظلمت . وقال الزمخشري : بين الظالمين والمظلومين دل على ذلك ذكر الظلم انتهى . وقيل : يعود على المؤمن والكافر . وقيل : على الرؤساء والأتباع .
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
: قيل : تعلق هذه الآية بما قبلها من جهة أنه فرض أنّ النفس الظالمة لو كان لها ما في الأرض لافتدت به ، وهي لا شيء لها البتة ، لأنّ جميع الأشياء إنما هي بأسرها ملك للّه تعالى ، وهو المتصرف فيها ، إذ له الملك والملك . ويظهر أنّ مناسبتها لما قبلها أنه لما سألوا عما وعدوا به من العذاب أحق هو ؟ وأجيبوا بأنه حق لا محالة ، وكان ذلك جوابا كافيا لمن وفقه اللّه تعالى للإيمان ، كما كان جوابا للأعرابي حين سأل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : آللّه أرسلك ؟ قوله عليه السلام له : « اللهم نعم » فقنع منه بإخباره صلّى اللّه عليه وسلّم إذ علم أنه لا يقول إلا الحق والصدق ، كما قال هرقل : لم يكن ليدع الكذب ويكذب على اللّه . انتقل من هذا الجواب إلى ذكر البرهان القاطع على حجته . وتقريره بأن القول بالنبوة والمعاد يتفرعان على إثبات الإله القادر الحكيم ، وأنّ ما سواه فهو ملكه وملكه ، وعبر عن هذا بهذه الآية ، وكان قد استقصى الدلائل على ذلك في هذه السورة في قوله :
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
« 1 » الآية وقوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
« 2 » فاكتفى هنا عن ذكرها . وإذا كان جميع ما في العالم ملكه ، وملكه كان قادرا على كل الممكنات ، عالما بكل المعلومات ، غنيا عن جميع الحاجات ، منزها عن النقائص والآفات ، وبكونه قادرا على الممكنات كان قادرا على إنزال العذاب على الكفار في الدنيا والآخرة ، وقادرا على تأييد رسوله بالدلائل وإعلاء دينه ، فبطل الاستهزاء والتعجيز . وبتنزيهه عن النقائص كان منزها عن الخلف والكذب ، فثبت أن قوله : ألا إن للّه ما في السماوات والأرض مقدمة توجب الجزم بصحة قوله . ألا إن وعد اللّه حق . وألا كلمة تنبيه دخلت على الجملتين تنبيها للغافل ، إذ كانوا مشغولين بالنظر إلى الأسباب الظاهرة من نسبة أشياء إلى أنها مملوكة لمن جعل له بعض تصرف فيها واستخلاف ، ولذلك قال تعالى : ولكن أكثرهم لا يعلمون يعني : لغفلتهم عن هذه الدلائل ، ثم أتبع ذلك بذكر قدرته على الإحياء والإماتة . فيجب أن يكون
هامش
( 1 ) سورة يونس : 10 / 6 . ( 2 ) سورة يونس : 10 / 5 .