تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
زائدة ، ويكون بذلك بدلا مما قبله ، وأشير به إلى الاثنين الفضل والرحمة . وقيل : كررت الفاء الثانية للتوكيد ، فعلى هذا لا تكون الأولى زائدة ، ويكون أصل التركيب فبذلك ليفرحوا ، وفي القول قبله يكون أصل التركيب بذلك فليفرحوا ، ولا تنافي بين الأمر بالفرح هنا وبين النهي عنه في قوله :
لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
« 1 » لاختلاف المتعلق ، فالمأمور به هنا الفرح بفضل اللّه وبرحمته ، والمنهي هناك الفرح بجمع الأموال لرئاسة الدنيا وإرادة العلو بها والفساد والأشر ، ولذلك جاء بعده :
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
« 2 » وقبله :
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ
« 3 » وقوله :
لَفَرِحٌ فَخُورٌ
« 4 » جاء ذلك على سبيل الذم لفرحه بإذاقة النعماء بعد الضراء ، ويأسه وكفرانه للنعماء إذا نزعت منه ، وهذه صفة مذمومة ، وليس ذلك من أفعال الآخرة . وقول من قال : إنه إذا أطلق الفرح كان مذموما ، وإذا قيد لم يكن مذموما كما قال :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
« 5 » ليس بمطرد ، إذ جاء مقيدا في الذم في قوله تعالى :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
« 6 » وإنما يمدح الفرح ويذم بحسب متعلقه ، فإذا كان بنيل ثواب الآخرة وإعمال البر كان محمودا ، وإذا كان بنيل لذات الدنيا وحطامها كان مذموما . وقرأ عثمان بن عفان ، وأبيّ ، وأنس ، والحسن ، وأبو رجاء ، وابن هرمز ، وابن سيرين ، وأبو جعفر المدني ، والسلمي ، وقتادة ، والجحدري ، وهلال بن يساف ، والأعمش ، وعمرو بن قائد ، والعباس بن الفضل الأنصاري : فلتفرحوا بالتاء على الخطاب ، ورويت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قال صاحب اللوامح : وقال وقد جاء عن يعقوب كذلك ، انتهى . وقال ابن عطية : وقرأ أبي وابن القعقاع ، وابن عامر ، والحسن : على ما زعم هارون . ورويت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلتفرحوا وتجمعون بالتاء فيهما على المخاطبة ، وهي قراءة جماعة من السلف كثيرة ، وعن أكثرهم خلاف انتهى . والجمهور بالياء على أمر الغائب . وما نقله ابن عطية أن ابن عامر قرأ فلتفرحوا بالتاء ليس هو المشهور عنه ، إنما قراءته في مشهور السبعة بالياء أمرا للغائب ، لكنه قرأ تجمعون بالتاء على الخطاب ، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب . وفي مصحف أبي : فبذلك فافرحوا ، وهذه هي اللغة الكثيرة الشهيرة في أمر المخاطب . وأما فليفرحوا بالياء فهي لغة قليلة . وفي الحديث : « لتأخذوا
هامش
( 1 ) سورة القصص : 28 / 76 . ( 2 ) سورة القصص : 28 / 77 . ( 3 ) سورة القصص : 28 / 76 . ( 4 ) سورة هود : 11 / 10 . ( 5 ) سورة آل عمران : 3 / 170 . ( 6 ) سورة الأنعام : 6 / 44 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 76 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل