حال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في قومه بين حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم ، تسلية له وتطمينا لقلبه . ودلت الآية على أنه تعالى ما أهمل أمة ، بل بعث إليها رسولا كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
« 1 » وقوله : فإذا جاء رسولهم ، إما أن يكون إخبارا عن حالة ماضية فيكون ذلك في الدنيا ، ويكون المعنى : أنه بعث إلى كل أمة رسولا يدعوهم إلى دين اللّه وينبئهم على توحيده ، فلما جاءهم بالبينات كذبوه ، فقضى بينهم أي :
بين الرسول وأمته ، فأنجى الرسول وعذب المكذبون . وإما أن يكون على حالة مستقبلة أي : فإذا جاءهم رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم قضى بينهم ، أي : بين الأمة بالعدل ، فصار قوم إلى الجنة وقوم إلى النار ، فهذا هو القضاء بينهم قاله : مجاهد وغيره . ويكون كقوله تعالى :
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
« 2 » .
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
: الضمير في ويقولون ، عائد على مشركي قريش ومن تابعهم من منكري الحشر ، استعجلوا بما وعدوا به من العذاب على سبيل الاستبعاد ، أو على سبيل الاستخفاف ، ولذلك قالوا : إن كنتم صادقين أي : لستم صادقين فيما وعدتم به فلا يقع شيء منه . وقولهم هذا يشهد للقول الأول في الآية قبلها ، وأنها حكاية حال ماضية . وأنّ معنى ذلك : فإذا جاءهم الرسول وكذبوه قضى بينهم في الدنيا ، وأنّ كل رسول وعد أمته بالعذاب في الدنيا وإن هي كذبت .
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
: لما التمسوا تعجيل العذاب أو تعجيل الساعة ، أمره عليه السلام أن يقول لهم : ليس ذلك إليّ ، بل ذلك إلى اللّه تعالى . وإذا كنت لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا فكيف أملكه لغيري ؟ أو كيف أطلع على ما لم يطلعني عليه اللّه ؟
ولكن لكل أمة أجل انفرد بعلمه تعالى . وتقدم الكلام على نظير قوله لكل أمة أجل إلى آخر الآية في الأعراف « 3 » . وقرأ ابن سيرين : آجالهم على الجمع . وإلا ما شاء اللّه ظاهره أنه استثناء متصل ، إلا ما شاء اللّه أن أملكه وأقدر عليه . وقال الزمخشري : هو استثناء منقطع أي : ولكن ما شاء اللّه من ذلك كائن ، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب . ولكل أمة أجل أي : إنّ عذابكم له أجل مضروب عند اللّه .
هامش
( 1 ) سورة فاطر : 35 / 24 .
( 2 ) سورة الزمر : 39 / 69 .
( 3 ) سورة الأعراف : 7 / 34 .