تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
بالظرف يعني : فتكون حالا ، وإما أن تكون مبينة لقوله : كأن لم يلبثوا إلا ساعة ، لأنّ التعارف يبقى مع طول العهد وينقلب تناكرا انتهى . وقال الحوفي : يتعارفون فعل مستقبل في موضع الحال من الضمير في يلبثوا وهو العامل ، كأنه قال : متعارفين ، المعنى : اجتمعوا متعارفين . ويجوز أن يكون حالا من الهاء والميم في نحشرهم وهو العامل انتهى . وأما قول ابن عطية : ويصح أن يكون في موضع نصب للمصدر ، كأنه قال : ويوم نحشرهم حشرا كأن لم يلبثوا ، فقد حكاه أبو البقاء فقال : وقيل هو نعت لمصدر محذوف أي حشرا كأن لم يلبثوا قبله انتهى . وقد ذكرنا أن حذف مثل هذا الرابط لا يجوز . وجوزوا في يتعارفون أن يكون حالا على ما تقدم ذكره من الخلاف في ذي الحال والعامل فيها ، وأن يكون جملة مستأنفة ، أخبر تعالى أنه يقع التعارف بينهم . وقال الكلبي : يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم ، وهو تعارف توبيخ وافتضاح ، يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني وأغويتني ، وليس تعارف شفقة وعطف ، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة ، كما قال تعالى :
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ
« 1 » . وقيل : يعرف بعضهم بعضا ما كانوا عليه من الخطأ والكفر . وقال الضحاك : تعارف تعاطف المؤمنين ، والكافرون لا أنساب بينهم . وقيل : القيامة مواطن ، ففي موطن يتعارفون وفي موطن لا يتعارفون ، والظاهر أن قوله : قد خسر الذين إلى آخره جملة مستأنفة ، أخبر تعالى بخسران المكذبين بلقائه . قال الزمخشري : هو استئناف فيه معنى التعجب ، كأنه قيل : ما أخسرهم . وقال أيضا : وابتدأ به قد خسر على إرادة القول أي : يتعارفون بينهم قائلين ذلك . قال ابن عطية : وقيل إنه إخبار المحشورين على جهة التوبيخ لأنفسهم انتهى . وهذا يحتمل أن يكون كقول الزمخشري : يتعارفون بينهم قائلين ذلك ، وأن يكون كقول غيره : نحشرهم قائلين قد خسر ، فاحتمل هذا المقدر أن يكون معمولا ليتعارفون ، وأن يكون معمولا لنحشرهم ، ونبه على العلة الموجبة للخسران وهو التكذيب بلقاء اللّه . وما كانوا مهتدين : الظاهر أنه معطوف على قوله : قد خسر ، فيكون من كلام المحشورين إذا قلنا : إنّ قوله قد خسر من كلامهم ، أخبروا عن أنفسهم بخسرانهم في الآخرة وبانتفاء هدايتهم في الدنيا . ويحتمل أن يكون معطوفا على صلة الذين أي : كذبوا بلقاء اللّه ، وانتفت هدايتهم في الدنيا . ويحتمل أن تكون الجملة كالتوكيل بجملة الصلة ، لأن من كذب بلقاء اللّه هو غير مهتد . وقيل : وما
هامش
( 1 ) سورة المعارج : 70 / 10 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 65 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل