تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
فيه : أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة ، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم اللّه عليهم الصبر عن الصيد فيه ، والمعنى في ذكر ذلك نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم اللّه مثلا ، وغير ما ذكر وهو الإنذار من سخط اللّه على العصاة والمخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته . ( فإن قلت ) : فما معنى الحكم بينهم إذا كانوا جميعا محلين أو محرمين ؟ ( قلت ) : معناه أنه يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم محلين تارة ومحرمين أخرى ، ووجه آخر وهو أنّ موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوما للعبادة ، وأن يكون يوم الجمعة ، فأبوا عليه وقالوا : نريد اليوم الذي فرغ اللّه فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت ، إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة ، فهذا اختلافهم في السبت ، لأنّ بعضهم اختاره ، وبعضهم اختار عليه الجمعة ، فأذن اللّه لهم في السبت ، وابتلاهم بتحريم الصيد فيه ، فأطاع أمر اللّه الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون ، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم اللّه دون أولئك . وهو يحكم بينهم يوم القيامة ، فيجازي كل واحد من الفريقين بما يستوجبه . ومعنى جعل السبت : فرض عليهم تعظيمه ، وترك الاصطياد فيه انتهى . وهو كلام ملفق من كلام المفسرين قبله . وقال الكرماني : عدى جعل بعلى ، لأن اليوم صار عليهم لا لهم ، لارتكابهم المعاصي فيه انتهى . ولهذا قدره الزمخشري : إنما جعل وبال السبت . وقال الحسن : جعل السبت لعنة عليهم بأن جعل منهم القردة . وقال ابن عباس : إن اللّه سبحانه قال : ذروا الأعمال في يوم الجمعة وتفرغوا فيه لعبادتي ، فقالوا : نريد السبت ، لأن اللّه تعالى فرغ فيه من خلق السماوات والأرض ، فهو أولى بالراحة . وقرأ أبو حيوة : جعل بفتح الجيم والعين مبنيا للفاعل ، وعن ابن مسعود والأعمش : أنهما قرءا إنما أنزلنا السبت ، وهي تفسير معنى لا قراءة ، لأنها مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه ، ولما استفاض عن الأعمش وابن مسعود أنهما قرءا كالجماعة .
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
: أمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو إلى دين اللّه وشرعه بتلطف ، وهو أن يسمع المدعو حكمة ، وهو الكلام الصواب
البحر المحيط في التفسير — صفحة 612 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل