تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
والمفعول قد يبنى للكثرة على فعلة وتقدم تفسير القانت ، والحنيف : شاكرا لأنعمه . روي أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيف ، فلم يجد ذات يوم ضيفا فأخر غداه ، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر ، فدعاهم إلى الطعام ، فخيلوا أنّ بهم جذاما فقال : الآن وجبت مؤاكلتكم ، شكر اللّه على أنه عافاني وابتلاكم . وآتيناه في الدنيا حسنة ، قال قتادة : حببه اللّه تعالى إلى كل الخلق ، فكل أهل الأديان يتولونه اليهود والنصارى والمسلمون ، وخصوصا كفار قريش ، فإنّ فخرهم إنما هو به ، وذلك بإجابة دعوته :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
« 1 » وقيل : الحسنة قول المصلي منا : كما صليت على إبراهيم . وقال ابن عباس : الذكر الحسن . وقال الحسن : النبوة . وقال مجاهد : لسان صدق . وقال قتادة : القبول ، وعنه تنويه اللّه بذكره . وقيل : الأولاد الأبرار على الكبر . وقيل : المال يصرفه في الخير والبر . وإنه لمن المصلحين ، تقدم الكلام على هذه الجملة في البقرة ، ولما وصف إبراهيم عليه السلام بتلك الأوصاف الشريفة أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتبع ملته ، وهذا الأمر من جملة الحسنة التي آتاها اللّه إبراهيم في الدنيا . قال ابن فورك : وأمر الفاضل باتباع المفضول ، لما كان سابقا إلى قول الصواب والعمل به . وقال الزمخشري : ثم أوحينا في ثم هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإجلال محله ، والإيذان بأنّ أشرف ما أوتي خليل اللّه إبراهيم عليه السلام من الكرامة ، وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ملته ، من قبل أنها على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى اللّه عليها بها انتهى . وأن تفسيرية ، أو في موضع المفعول . واتباع ملته قال قتادة : في الإسلام ، وعنه أيضا : جميع ملته إلا ما أمر بتركه . وعن عمرو بن العاص : مناسك الحج . وقال القرطبي : الصحيح عقائد الشرع دون الفروع لقوله :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
« 2 » وقيل : في التبري من الأوثان . وقال قوم كان على شريعة إبراهيم ، وليس له شرع ينفرد به ، وإنما المقصود من بعثته إحياء شرع إبراهيم عليه السلام . قال أبو عبد اللّه الرازي : وهذا القول ضعيف ، لأنه وصف إبراهيم في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين ، فلما قال : اتبع ملة إبراهيم ، كان المراد ذلك . فإن قيل : النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية ، وإذا كان كذلك لم يكن متابعا له ، فيمتنع حمل قوله : أن اتبع ، على هذا المعنى ، فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها .
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 84 . ( 2 ) سورة المائدة : 5 / 48 .