تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
كانوا يبعثون أيام المواسم من يأتيهم بخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا جاء الوفد كفه المقتسمون وأمره بالانصراف وقالوا : إن لم تلقه كان خيرا لك فيقول : أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأراه ، فيلقى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيخبرونه بصدقه ، وأنه نبي مبعوث ، فهم الذين قالوا خيرا . والظاهر أن قوله : للذين ، مندرج تحت القول ، وهو تفسير للخير الذي أنزله اللّه في الوحي : أنّ من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة بدخول الجنة . وقال الزمخشري : للذين أحسنوا وما بعده بدل من خير ، حكاية لقول الذين اتقوا أي : قالوا هذا القول ، فقدم عليه تسميته خيرا ثم حكاه انتهى . وقالت فرقة : هو ابتداء كلام من اللّه تعالى ، مقطوع مما قبله ، وهو بالمعنى وعد متصل بذكر إحسان المتقين في مقالتهم . ومعنى حسنة مكافأة في الدنيا بإحسانهم ، ولهم في الآخرة ما هو خير منها . ولما ذكر حال الكفار في الدنيا والآخرة ذكر حال المؤمنين في الدارين ، والظاهر أنّ المخصوص بالمدح هو جنات عدن . وقال الزمخشري : ولنعم دار المتقين دار الآخرة ، فحذف المخصص بالمدح لتقدم ذكره ، وجنات عدن خبر مبتدأ محذوف انتهى . وقاله ابن عطية ، وقبلهما الزجاج وابن الأنباري ، وجوزوا أن يكون جنات عدن مبتدأ ، والخبر يدخلونها . وقرأ زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن جنات عدن بالنصب على الاشتغال أي : يدخلون جنات عدن يدخلونها ، وهذه القراءة تقوي إعراب جنات عدن بالرفع أنه مبتدأ ، ويدخلونها الخبر . وقرأ زيد بن علي : ولنعمت دار ، بتاء مضمومة ، ودار مخفوض بالإضافة ، فيكون نعمت مبتدأ وجنات الخبر . وقرأ السلمي : تدخلونها بتاء الخطاب . وقرأ إسماعيل بن جعفر عن نافع : يدخلونها بياء على الغيبة ، والفعل مبني للمفعول ، ورويت عن أبي جعفر وشيبة : تجري . قال ابن عطية : في موضع الحال ، وقال الحوفي : في موضع نعت لجنات انتهى . فكان ابن عطية لحظ كون جنات عدن معرفة ، والحوفي لحظ كونها نكرة ، وذلك على الخلاف في عدن هل هي علم ؟ أو نكرة بمعنى إقامة ؟ والكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي : جزاء مثل جزاء الذين أحسنوا يجزي ، وطيبين حال من مفعول تتوفاهم ، والمعنى : أنهم صالحو الأحوال مستعدّون للموت والطيب الذي لا خبث فيه ، ومنه :
طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ
« 1 » . وقال أبو معاذ : طيبين طاهرين من الشرك بالكلمة الطيبة . وقيل : طيبين سهلة وفاتهم لا صعوبة فيها ولا ألم ، بخلاف ما يقبض روح الكافر والمخلط . وقيل : طيبة نفوسهم
هامش
( 1 ) سورة الزمر : 39 / 73 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 526 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل