تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا بهم حتى إذا أنبت البقل
أي نبت . وكان الأصمعي يأبى أنبت بمعنى نبت . وقرأ أبو بكر : ننبت بنون العظمة . وقرأ الزهري : ننبت بالتشديد قيل : للتكثير والتكرير ، والذي يظهر أنه تضعيف التعدية . وقرأ أبيّ : ينبت من نبت ورفع الزرع وما عطف عليه . وخص الأربعة بالذكر لأنها أشرف ما ينبت ، وأجمعه للمنافع . وبدأ بالزرع لأنه قوت أكثر العالم ، ثم بالزيتون لما فيه من فائدة الاستصباح بدهنه ، وهي ضرورية مع منفعة أكله والائتدام به وبدهنه ، والاطلاء بدهنه ، ثم بالنخل لأنّ ثمرته من أطيب الفواكه وقوت في بعض البلاد ، ثم بالأعناب لأنها فاكهة محضة ثم قال : ومن كل الثمرات ، أتى بلفظ من التي للتبعيض ، لأنّ كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة ، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها للتذكرة . ولما ذكر الحيوانات المنتفع بها على التفصيل أعقبه بقوله : ويخلق ما لا تعلمون ، كذلك هنا ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات ، ثم قال : ومن كل الثمرات ، تنبيها على أنّ تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها مما لا يكاد يحصر ، كما أن تفصيل ما خلق من باقي الحيوان لا يكاد يحصر . وختم ذلك تعالى بقوله : لآية لقوم يتفكرون ، لأنّ النظر في ذلك يحتاج إلى فضل تأمل واستعمال فكر . ألا ترى أنّ الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومر عليها مقدار من الزمان معين لحقها من نداوة الأرض ما تنتفخ به ، فينشق أعلاها فيصعد منه شجرة إلى الهواء ، وأسفلها يغوص منه في عمق الأرض شجرة أخرى وهي العروق ، ثم ينمو الأعلى ويقوى ، وتخرج الأوراق والأزهار والأكمام ، والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطبائع والطعوم والألوان والروائح والأشكال والمنافع ، وذلك بتقدير قادر مختار وهو اللّه تعالى . وقرأ الجمهور : والشمس وما بعده منصوبا ، وانتصب مسخرات على أنها حال مؤكدة إن كان مسخرات اسم مفعول ، وهو إعراب الجمهور . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون المعنى : أنه سخرها أنواعا من التسخير جمع مسخر بمعنى : تسخير من قولك : سخره اللّه مسخرا ، كقولك : سرحه مسرحا ، كأنه قيل : وسخرها لكم تسخيرات بأمره انتهى . وقرأ ابن عامر : والشمس وما بعده بالرفع على الابتداء والخبر ، وحفص والنجوم مسخرات برفعهما ، وهاتان القراءتان يبعدان قول الزمخشري إنّ مسخرات بمعنى تسخيرات . وقرأ ابن مسعود ، والأعمش ، وابن مصرف : والرياح مسخرات في موضع ، والنجوم وهي مخالفة لسواد المصحف . والظاهر في قراءة نصب الجميع أنّ والنجوم معطوف على ما قبله . وقال
البحر المحيط في التفسير — صفحة 512 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل