تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص ، لتجتمع عليهم الأربع : لذع القطران وحرقته ، وإسراع النار في جلودهم ، واللون الوحش ، ونتن الريح . على أنّ التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين . وكل ما وعده اللّه ، أو أوعد به في الآخرة ، فبينه وبين ما يشاهده من جنسه ما لا يقادر قدره ، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة ، فبكرمه الواسع نعوذ من سخطه ونسأله التوفيق فيما ينجينا من عذابه انتهى . وقرأ عمر بن الخطاب ، وعليّ بن أبي طالب : من قطران بفتح القاف وإسكان الطاء ، وهو في شعر أبي النجم قال : لبسه القطران والمسوحا . وقرأ الجمهور : وتغشى وجوههم بالنصب ، وقرئ بالرفع ، فالأول على نحو قوله :
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى
« 1 » فهي على حقيقة الغشيان ، والثانية على التجوز ، جعل ورود الوجه على النار غشيانا . وقرئ : وتغشى وجوههم بمعنى تتغشى ، وخص الوجوه هنا . وفي قوله :
أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
، و
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ
« 2 » لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه كالقلب في باطنه ، ولذلك قال :
تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ
« 3 » . وليجزي متعلق بمحذوف تقديره : يفعل بالمجرمين ما يفعل ، ليجزي كل نفس أي : مجرمة بما كسبت ، أو كل نفس من مجرمة ومطيعة : لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم ، قاله الزمخشري . ويظهر أنها تتعلق بقوله : وبرزوا أي : الخلق كلهم ، ويكون كل نفس عاما أي : مطيعة ومجرمة ، والجملة من قوله : وترى ، معترضة . وقال ابن عطية : اللام متعلقة بفعل مضمر تقديره : فعل هذا ، أو أنفذ هذا العقاب على المجرمين ليجزي في ذلك المسئ على إساءته انتهى . والإشارة بهذا إلى ما ذكر به تعالى من قوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا
« 4 » إلى قوله :
سَرِيعُ الْحِسابِ
« 5 » وقيل : الإشارة إلى القرآن ، وقيل : إلى السورة . ومعنى بلاغ كفاية في الوعظ والتذكير ، ولينذروا به . قال الماوردي : الواو زائدة ، وعن المبرد : هو عطف مفرد على مفرد أي : هذا بلاغ وإنذار انتهى . وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب . وقيل : هو محمول على المعنى أي : ليبلغوا ولينذروا . وقيل : اللام لام الأمر . قال بعضهم : وهو حسن لولا قوله : وليذكر ، فإنه منصوب لا غير انتهى . ولا يخدش ذلك ، إذ يكون وليذكر ليس معطوفا على الأمر ، بل يضمر له فعل يتعلق به . وقال
هامش
( 1 ) سورة الليل : 92 / 1 . ( 2 ) سورة القمر : 54 / 48 . ( 3 ) سورة الهمزة : 104 / 7 . ( 4 ) سورة إبراهيم : 14 / 42 . ( 5 ) سورة إبراهيم : 14 / 51 .