تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ
: مثل الجنة أي : صفتها التي هي في غرابة المثل ، وارتفع مثل على الابتداء في مذهب سيبويه ، والخبر محذوف أي : فيما قصصنا عليكم مثل الجنة ، وتجري من تحتها الأنهار تفسير لذلك المثل . تقول : مثلت الشيء إذا وصفته وقربته للفهم ، وليس هنا ضرب مثل لها فهو كقوله تعالى :
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى
« 1 » أي الصفة العليا ، وأنكر أبو عليّ أن يكون مثل بمعنى صفة قال : إنما معناه التنبيه . وقال الفراء : أي صفتها أنها تجري من تحتها الأنهار ، ونحو هذا موجود في كلام العرب انتهى . ولا يمكن حذف أنّها ، وإنما فسر المعنى ولم يذكر الإعراب . وتأول قوم على القرآن مثل مقحم ، وأنّ التقدير : الجنة التي وعد المتقون تجري ، وإقحام الأسماء لا يجوز . وحكوا عن الفراء أنّ العرب تقحم كثيرا المثل والمثل ، وخرج على ذلك :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 2 » أي : كهو شيء . فقال غيرهما : الخبر تجري ، كما تقول : صفة زيد أسمر ، وهذا أيضا لا يصح أن يكون تجري خبرا عن الصفة ، وإنما يتأول تجري على إسقاط أن ورفع الفعل ، والتقدير : أن تجري خبر ثان الأنهار . وقال الزجاج : معناه مثل الجنة جنة تجري على حذف الموصوف تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد انتهى . وقال أبو علي : لا يصح ما قال الزجاج ، لا على معنى الصفة ، ولا على معنى الشبه ، لأن الجنة التي قدرها جنة ولا تكون الصّفة ، ولأن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين وهو حدث ، والجنة جنة فلا تكون المماثلة . وقرأ علي وابن مسعود : مثال الجنة على الجمع أي : صفاتها . وفي اللوامح على السلمى أمثال الجنة جمع ، ومعناه : صفات الجنة . وذلك لأنها صفات مختلفة ، فلذلك جمع نحو الحلقوم والإسعال . والأكل ما يؤكل فيها ، ومعنى دوامه : أنه لا ينقطع أبدا ، كما قال تعالى :
لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ
« 3 » وقال إبراهيم التيمي : أي لذاته دائمة لا تزاد بجوع ولا تمل من شبع . وظلها أي : دائم البقاء والراحة ، لا تسخنه شمس ، ولا يميل لبرد كما في الدنيا . أي : تلك الجنة عاقبة الذين اتقوا أي : اجتنبوا الشرك .
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ . وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ
: نزلت في مؤمني أهل الكتابين ، ذكره الماوردي ، واختاره الزمخشري فقال : من أسلم من اليهود كعبد اللّه بن
هامش
( 1 ) سورة الروم : 30 / 27 . ( 2 ) سورة الشورى : 42 / 11 . ( 3 ) سورة الواقعة : 56 / 33 .