هداهم اللّه ولطف بهم فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه انتهى . وهو على طريقة الاعتزال . وقال ابن عباس وقتادة : أمة واحدة مؤمنة حتى لا يقع منهم كفر ، لكنه تعالى لم يشأ ذلك . وقال الضحاك : لو شاء لجعلهم على هدى أو ضلالة ، والظاهر أن قوله : ولا يزالون مختلفين ، هو من الاختلاف الذي هو ضد الاتفاق ، وأنّ المعنى في الحق والباطل قاله : ابن عباس ، وقال مجاهد : في الأديان ، وقال الحسن : في الأرزاق والأحوال من تسخير بعضهم لبعض ، وقال عكرمة : في الأهواء ، وقال ابن بحر : المراد أن بعضهم يخلف بعضا ، فيكون الآتي خلفا للماضي . قال : ومنه قولهم : ما اختلف الجديدان ، أي خلف أحدهما صاحبه . وإلّا من رحم استثناء متصل من قوله : ولا يزالون مختلفين ، ولا ضرورة تدعو إلى أنه بمعنى لكن ، فيكون استثناء منقطعا كما ذهب إليه الحوفي . والإشارة بقوله :
ولذلك خلقهم ، إلى المصدر المفهوم من قوله : مختلفين ، كما قال : إذا نهى السفيه جرى إليه . فعاد الضمير إلى المصدر المفهوم من اسم الفاعل ، كأنه قيل : وللاختلاف خلقهم ، ويكون على حذف مضاف أي : لثمرة الاختلاف من الشقاوة والسعادة خلقهم . ودل على هذا المحذوف أنه قد تقرر من قاعدة الشريعة أن اللّه تعالى خلق خلقا للسعادة ، وخلقا للشقاوة ، ثم يسر كلا لما خلق له ، وهذا نص في الحديث الصحيح .
وهذه اللام في التحقيق هي لام الصيرورة في ذلك المحذوف ، أو تكون لام الصيرورة بغير ذلك المحذوف ، أي : خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف . ولا يتعارض هذا مع قوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » لأنّ معنى هذا الأمر بالعبادة .
وقال مجاهد وقتادة : ذلك إشارة إلى الرحمة التي تضمنها قوله : إلا من رحم ربك ، والضمير في خلقهم عائد على المرحومين . وقال ابن عباس ، واختاره الطبري : الإشارة بذلك إلى الاختلاف والرحمة معا ، فيكون على هذا أشير بالمفرد إلى اثنين كقوله :
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
« 2 » أي بين الفارض والبكر . والضمير في خلقهم عائد على الصنفين :
المستثنى ، والمستثنى منه ، وليس في هذه الجملة ما يمكن أن يعود عليه الضمير إلا الاختلاف كما قال الحسن وعطاء ، أو الرحمة كما قال مجاهد ، وقتادة ، أو كلاهما كما قال ابن عباس . وقد أبعد المتأولون في تقدير غير هذه الثلاث ، فروي أنه إشارة إلى ما بعده .
وفيه تقديم وتأخير أي : وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ، ولذلك
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : 51 / 56 .
( 2 ) سورة البقرة : 2 / 68 .