تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
: تقدم تفسير شبيه هذه الآية في الأنعام ، إلا أن هنا ليهلك وهي آكد في النفي ، لأنه على مذهب الكوفيين زيدت اللام في خبر كان على سبيل التوكيد ، وعلى مذهب البصريين توجه النفي إلى الخبر المحذوف المتعلق به اللام ، وهنا وأهلها مصلحون . قال الطبري : بشرك منهم وهم مصلحون أي : مصلحون في أعمالهم وسيرهم ، وعدل بعضهم في بعض أي : أنه لا بد من معصية تقترن بكفرهم ، قاله الطبري ناقلا . قال ابن عطية : وهذا ضعيف ، وإنما ذهب قائله إلى نحو ما قال : إن اللّه يمهل الدول على الكفر ولا يمهلها على الظلم والجور ، ولو عكس لكان ذلك متجها أي : ما كان اللّه ليعذب أمة بظلمهم في معاصيهم وهم مصلحون في الإيمان . والذي رجح ابن عطية أن يكون التأويل بظلم منه تعالى عن ذلك . وقال الزمخشري : وأهلها مصلحون تنزيها لذاته عن الظلم ، وإيذانا بأن إهلاك المصلحين من الظلم انتهى . وهو مصادم للحديث : « أنهلك وفينا الصالحون قال : نعم ، إذا كثر الخبث » وللآية :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
« 1 » .
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
: قال الزمخشري : يعني لاضطرارهم إلى أن يكونوا أهل ملة واحدة وهي ملة الإسلام كقوله :
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
« 2 » وهذا كلام يتضمن نفي الاضطرار ، وأنه لم يقهرهم على الاتفاق على دين الحق ، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف ، فاختار بعضهم الحق ، وبعضهم الباطل ، فاختلفوا ولا يزالون مختلفين ، إلا من رحم ربك إلا ناسا
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 8 / 25 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 21 / 92 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 226 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل