تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
حيوة : كما بعدت بضم العين من البعد الذي هو ضد القرب ، والجمهور بكسرها ، أرادت العرب التفرقة بين البعد من جهة الهلاك ، وبين غيره ، فغيروا البناء وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتبار المعنى البعد من غير تخصيص كما يقال : ذهب فلان ، ومضى في معنى القرب . وقيل : معناه بعد الهم من رحمة اللّه كما بعدت ثمود منها . وقال ابن قتيبة : بعد يبعد إذا كان بعده هلكة ، وبعد يبعد إذا أتاني . وقال النحاس : المعروف في اللغة بعد يبعد بعدا وبعدا إذا هلك . وقال المهدوي : بعد يستعمل في الخير والشر ، وبعد في الشر خاصة . وقال ابن الأنباري : من العرب من يسوي بين الهلاك والبعد الذي هو ضد القرب ، فيقول فيهما بعد يبعد ، وبعد يبعد . وقال مالك بن الريب : في بعد بمعنى هلك :
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني * وأين مكان البعد إلا مكانيا
وبعد الفلان دعاء عليه ، ولا يدعى به إلا على مبغض كقولك : سحقا للكافرين . وقال أهل علم البيان : لم يرد في القرآن استطراد إلا هذا الموضع ، والاستطراد قالوا : هو أن تمدح شيئا أو تذمه ، ثم تأتي في آخر الكلام بشيء هو غرضك في أوله . قال حسان :
إن كنت كاذبة الذي حدثتني * فنجوت منجى الحرث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ . إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ . يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ . وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ
: الآيات المعجزات التسع : العصا ، واليد ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، ومنهم من أبدل النقص بإظلال الجبل . وقيل : الآيات التوراة ، وهذا ليس بسديد ، لأنه قال إلى فرعون وملائه ، والتوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وملائه . والسلطان المبين هو الحجج الواضحة ، ويحتمل أن يريد بقوله : وسلطان مبين فيها أي في الآيات ، وهي دالة على صدق موسى عليه السلام . ويحتمل أن يريد بها العصا لأنها أبهر تلك الآيات ، فنص عليها كما نص على جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة على سبيل التشريف بالذكر . والظاهر أن يراد بقوله : أمر فرعون أمره إياهم بالكفر وجحد معجزات موسى ، ويحتمل أن يريد الطريق والشان . وما أمر فرعون برشيد : نفى عنه الرشد ، وذلك تجهيل لمتبعيه حيث شايعوه على أمره ، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل ، وذلك أنه