تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
أو كانوا يفهمونه ولكنهم لم يقبلوه ، فكأنهم لم يفقهوه ، أو قالوا ذلك على وجه الاستهانة به كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه : ما أدري ما تقول . أو جعلوا كلامه هذيانا وتخليطا لا يتفهم كثير منه ، وكيف لا يتفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ثم الذي جاورهم به من الكلام وخاطبهم به هو من أفصح الكلام وأجله وأدله على معانيه بحيث يفقهه من كان بعيد الفهم ، فضلا عن الأذكياء العقلاء ، ولكن اللّه تعالى أراد خذلانهم . ومعنى ضعيفا : لا قوة لك ولا عز فيما بيننا ، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردناك بمكروه ، وعن الحسن : ضعيفا مهينا . وقيل : كان ناحل البدن زمنه لا يقع في القلب منه هيبة ولا في العين منه امتلاء ، والعرب تعظم بكبر الأجسام ، وتذم بدمامتها . وقال الباقر : مهجورا لا تجالس ولا تعاشر . وقال مقاتل : ضعيفا أي لم يؤمن بك رهطك . وقال السدي : وحيدا في مذهبك واعتقادك . وقال ابن جبير وشريك القاضي : ضعيفا ضرير البصر أعمى . وحكى الزهراوي والزمخشري : أنّ حمير تسمي الأعمى ضعيفا ، ويبعده تفسيره هنا بأعمى أو بناحل البدن أو بضعيف البصر كما قاله الثوري . وزعم أبو روق : أن اللّه لم يبعث نبيا أعمى ، ولا نبيا به زمانة ، بل الظاهر أنه ضعيف الانتصار والقدرة . ولولا رهطك احترموه لرهطه إذ كانوا كفارا مثلهم ، أو كان في عزة ومنعة منهم لرجمناك . ظاهره القتل بالحجارة ، وهي من شر القتلات ، وبه قال ابن زيد . وقال الطبري : رجمناك بالسب ، وهذا أيضا تستعمله العرب ومنه :
لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
« 1 » وقيل : لأبعدناك وأخرجناك من أرضنا . وما أنت علينا بعزيز أي : لا تعز ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ، ونرفعك عن الرجم . وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا لم يحتاجوك علينا . وقيل : بعزيز بذي منعة ، وعزة منزلة في نفوسنا . وقيل : بذي غلبة . وقيل : بملك ، وكانوا يسمون الملك عزيزا . قال الزمخشري : وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل ، لا في الفعل ، كأنه قيل : وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا ، ولذلك قال في جوابهم : أرهطي أعز عليكم من اللّه ؟ ولو قيل : وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب . ( فإن قلت ) : فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه ، فكيف صح قوله : أرهطي أعز عليكم من اللّه ؟ ( قلت ) : تهاونهم به وهو نبي اللّه تهاون باللّه فحين عز عليهم رهطه دونه ، كان رهطه أعز عليهم من اللّه . ألا ترى إلى قوله تعالى :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
« 2 » انتهى . والظاهر في قوله : واتخذتموه ، أن الضمير عائد على اللّه
هامش
( 1 ) سورة مريم : 19 / 46 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 80 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 201 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل