بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا : فما ذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا ، وعملت أنت ؟ فقال : سوف تعلمون ، يوصل تارة بالفاء ، وتارة بالاستئناف ، كما هو عادة البلغاء من العرب . وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف ، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : قد ذكر عملهم على مكانتهم ، وعمله على مكانته ، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم ، فكان القياس أن يقول من يأتيه عذاب يخزيه ، ومن هو صادق حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين ، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم . ( قلت ) : القياس ما ذكرت ، ولكنهم لما كانوا يعدونه كاذبا قال :
ومن هو كاذب يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلا لهم انتهى . وفي ألفاظ هذا الرجل سوء أدب ، والذي قاله ليس بقياس ، لأن التهديد الذي وقع ليس بالنسبة إليه ، ولا هو داخل في التهديد المراد بقوله : سوف تعلمون ، إذ لم يأت التركيب اعملوا على مكانتكم ، وأعمل على مكانتي ، ولا سوف تعلمون . واعلم أن التهديد مختص بهم . واستسلف الزمخشري قوله : قد ذكر عملهم على مكانتهم ، وعمله على مكانته ، فبنى على ذلك سؤالا فاسدا ، لأن المترتب على ما ليس مذكورا لا يصح البتة ، وجميع الآية والتي قبلها إنما هي بالنسبة إليهم على سبيل التهديد ، ونظيره في سورة تنزيل :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ
« 1 » فهذا جاء بالنسبة للمخاطبين في قوله : قل يا قوم اعملوا على مكانتكم كما جاء هنا ، وارتقبوا : انتظروا العاقبة ، وما أقول لكم . والرقيب بمعنى الراقب فعيل للمبالغة ، أو بمعنى المراقب كالعشير والجليس ، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع ، ويحسن هذا مقابلة فارتقبوا .
وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو والساقتان الوسطيان بالفاء ؟ ( قلت ) : قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد وذلك قوله :
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ
« 2 »
ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
« 3 » فجيء بالفاء التي للتسبب كما تقول :
وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت ، وأما الأخريان فلم يقعا بتلك المنزلة ، وإنما وقعتا مبتدأتين ، فكان حقهما أن يعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما ، كما تعطف قصة على قصة انتهى . وتقدم تفسير مثل ولما جاء أمرنا إلى قوله كان لم يغنوا فيها . وقرأ السلمي وأبو
هامش
( 1 ) سورة هود : 11 / 39 .
( 2 ) سورة هود : 11 / 81 .
( 3 ) سورة هود : 11 / 65 .