تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
عليكم من باب القلب لكان التعدي بعن دون على . ألا ترى أنك تقول : عميت عن كذا ، ولا تقول عميت على كذا ؟ وقرأ الإخوان وحفص : فعميت بضم العين وتشديد الميم مبنيا للمفعول ، أي أبهمت عليكم وأخفيت ، وباقي السبعة فعميت بفتح العين وتخفيف الميم مبنيا للفاعل . وقرأ أبيّ ، وعليّ ، والسلميّ ، والحسن ، والأعمش : فعماها عليكم . وروى الأعمش عن أبي وثاب : وعميت بالواو خفيفة . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : فما حقيقته ؟ ( قلت ) : حقيقته أنّ الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء ، لأنّ الأعمى لا يهتدي ، ولا يهدي غيره ، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم ، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد . ( فإن قلت ) : فما معنى قراءة أبيّ ؟ ( قلت ) : المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم اللّه وتصميمهم ، فجعلت تلك التخلية تعمية منه ، والدليل عليه : أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ يعني : أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها وأنتم تكرهونها ولا تختارونها ، ولا إكراه في الدين انتهى . وتوجيهه قراءة أبيّ هو على طريقة المعتزلة ، وتقدّم في سورة الأنعام الكلام على
أَ رَأَيْتُمْ
« 1 » مشبعا ، وذكرنا أن العرب تعديها إلى مفعولين : أحدهما منصوب ، والثاني أغلب ما يكون جملة استفهامية . تقول : أرأيتك زيدا ما صنع ، وليس استفهاما حقيقيا عن الجملة . وأنّ العرب ضمنت هذه الجملة معنى أخبرني ، وقررنا هناك أن قوله :
أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ *
« 2 » أنه من باب الأعمال تنازع على عذاب اللّه . أرأيتكم يطلبه منصوبا ، وفعل الشرط يطلبه مرفوعا ، فأعمل الثاني . وهذا البحث يتقرر هنا أيضا ، فمفعول أرأيتكم محذوف والتقدير : أرأيتكم البينة من ربي إن كنت عليها أنلزمكموها ؟ فهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني لقوله : أرأيتم ، وجواب الشرط محذوف يدل عليه أرأيتم ، وجيء بالضميرين متصلين في أنلزمكموها ، لتقدّم ضمير الخطاب على ضمير الغيبة ، ولو انعكس لانفصل ضمير الخطاب خلافا لمن أجاز الاتصال . قال الزمخشري : ويجوز أن يكون الثاني منفصلا كقولك : أنلزمكم إياها ونحوه . فسيكفيكهم اللّه ، ويجوز فسيكفيك إياهم ، وهذا الذي قاله الزمخشري من جواز انفصال الضمير في نحو أنلزمكموها ، هو نحو قول ابن مالك في التسهيل . قال : وتختار اتصال نحوها أأعطيتكه . وقال ابن أبي الربيع : إذا قدمت ما له الرتبة اتصل لا غير ، تقول : أعطيتكه . قال تعالى : أنلزمكموها ؟ وفي كتاب سيبويه ما يشهد له ، قال سيبويه : فإذا كان المفعولان اللذان تعدّى إليهما فعل الفاعل مخاطبا وغائبا ،
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 46 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 40 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 143 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل