تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
ناجى بعضهم بعضا في أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : يثنونها حياء من اللّه تعالى ، ومعنى يستغشون : يجعلونها أغشية . ومنه قول الخنساء :
أرعى النجوم وما كلفت رعيتها * وتارة أتغشى فضل أطماري
وقيل : المراد بالثياب الليل ، واستعيرت له لما بينهما من العلاقة بالستر ، لأن الليل يستر كما تستر الثياب ومنه قولهم : الليل أخفى للويل . وقرأ ابن عباس : على حين يستغشون . قال ابن عطية : ومن هذا الاستعمال قول النابغة :
على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألما أصح والشيب وازع
انتهى . وقال ابن عباس : ما يسرون بقلوبهم ، وما يعلنون بأفواههم . وقيل : ما يسرون بالليل وما يعلنون بالنهار . وقال ابن الأنباري : معناه أنه يعلم سرائرهم كما يعلم مظهراتهم . وقال الزمخشري : يعني أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم ، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء واللّه مطلع على ثنيهم صدورهم ، واستغشائهم بثيابهم ، ونفاقهم غير نافق عنده . وقال صاحب التحرير : الذي يقتضيه سياق الآية أنه أراد بما يسرون ما انطوت عليه صدورهم من الشرك والنفاق والغل والحسد والبغض للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، لأنّ ذلك كله من أعمال القلوب ، وأعمال القلوب خفية جدّا ، وأراد بما يعلنون ما يظهرونه من استدبارهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتغشية ثيابهم ، وسدّ آذانهم وهذه كلها أعمال ظاهرة لا تخفى .
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ
: الدابة هنا عام في كل حيوان يحتاج إلى رزق ، وعلى اللّه ظاهر في الوجوب ، وإنما هو تفضل ، ولكنه لما ضمن تعالى أن يتفضل به عليهم أبرزه في حيز الوجوب . قال ابن عباس : مستقرها حيث تأوى إليه من الأرض ، ومستودعها الموضع الذي تموت فيه فتدفن . وعنه أيضا : مستقرها في الرحم ، ومستودعها في الصلب . وقال الربيع بن أنس : مستقرها في أيام حياتها ، ومستودعها حين تموت وحين تبعث . وقيل : مستقرها في الجنة أو في النار ، ومستودعها في القبر ، ويدل عليه :
حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا
« 1 » و
ساءَتْ مُسْتَقَرًّا
« 2 » وقيل : ما يستقر عليه عملها ، ومستودعها ما تصير إليه . وقيل : المستقر ما حصل موجودا من الحيوان ، والمستودع ما سيوجد بعد المستقر . وقال الزمخشري : المستقر مكانه من الأرض
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : 25 / 76 . ( 2 ) سورة الفرقان : 25 / 66 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 124 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل