الكافرين . ويكون الضمير في منهم عائدا على الأعراب ، أو يكون المعنى : سيصيب الذين يوافون على الكفر من هؤلاء عذاب أليم في الدنيا بالقتل والسبي ، وفي الآخرة بالنار . وقرأ الجمهور : كذبوا بالتخفيف أي : في إيمانهم فأظهروا ضد ما أخفوه . وقرأ أبيّ والحسن في المشهور عنه : ونوح وإسماعيل كذبوا بالتشديد أي لم يصدقوه تعالى ولا رسوله ، وردوا عليه أمره والتشديد أبلغ في الذم .
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ
: لما ذكر حال من تخلف عن الجهاد مع القدرة عليه ، ذكر حال من له عذر في تركه . والضعفاء جمع ضعيف وهو الهرم ، ومن خلق في أصل البنية شديد المخافة والضئولة ، بحيث لا يمكنه الجهاد . والمريض من عرض له المرض ، أو كان زمنا ويدخل فيه العمى والعرج . والذين لا يجدون ما ينفقون هم الفقراء . قيل : هم مزينة وجهينة وبنو عذرة ، ونفى الحرج عنهم في التخلف عن الغزو ، ونفي الحرج لا يتضمن المنع من الخروج إلى الغزو ، فلو خرج أحد هؤلاء ليعين المجاهدين بما يقدر عليه من حفظ متاعهم أو تكثير سوادهم ولا يكون كلّا عليهم ، كان له في ذلك ثواب جزيل .
فقد كان عمرو بن الجموح أعرج وهو من أتقياء الأنصار ، وهو في أول الجيش ، وقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه قد عذرك » فقال : واللّه لأحفرن بعرجتي هذه في الجنة .
وكان ابن أم مكتوم أعمى ، فخرج إلى أحد وطلب أن يعطى اللواء فأخذه ، فأصيبت يده التي فيها اللواء فأمسكه باليد الأخرى ، فضربت فأمسكه بصدره . وقرأ :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
« 1 » وشرط في انتفاء الحرج النصح للّه ورسوله ، وهو أن يكون نياتهم وأقوالهم سرا وجهرا خالصة للّه من الغش ، ساعية في إيصال الخير للمؤمنين ، داعية لهم بالنصر والتمكين .
ففي سنن أبي داود « لقد تركتم بعدكم قوما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا إلا هم معكم فيه » قالوا : يا رسول اللّه وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ قال : « حبسهم العذر » .
وقرأ أبو حيوة : إذا نصحوا اللّه ورسوله بنصب الجلالة ، والمعطوف ما على المحسنين من سبيل أي : من لائمة تناط بهم أو عقوبة . ولفظ المحسنين عام يندرج فيه
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 144 .