تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
تأويل ، يمتنع كون : من ، منصوبا على أنه مفعول معه ، لأنك إذا قلت : أكلت رغيفا وعمرا ، أي : مع عمرو ، دل ذلك على أنه مشارك لك في أكل الرغيف ، وقد أجاز هذا الوجه الزمخشري ، وهو لا يجوز لما ذكرنا على كل حال ، لأنه لا يمكن تأويل حذف المفعول مع كون الواو واو المعية . وأثبت ياء : اتبعني ، في الوصل أبو عمرو ، ونافع ، وحذفها الباقون ، وحذفها أحسن لموافقة خط المصحف ، ولأنها رأس آية كقوله : أكرمن وأهانن ، فتشبه قوافي الشعر كقول الشاعر :
وهل يمنعني ارتياد البلا * د من حذر الموت أن يأتين
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
هم : اليهود والنصارى باتفاق
وَالْأُمِّيِّينَ
هم مشركو العرب ، ودخل في ذلك كل من لا كتاب له
أَ أَسْلَمْتُمْ
تقدير في ضمنه الأمر . وقال الزجاج : تهدّد . قال ابن عطية : وهذا حسن ، لأن المعنى : أأسلمتم له أم لا ؟ وقال الزمخشري : يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضى حصوله لا محالة ، فهل أسلمتم أم أنتم على كفركم ؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ، ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلّا سلكته ، هل فهمتها لا أمّ لك ؟ ومنه قوله عزّ وعلا :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
« 1 » بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر ، وفي هذا الاستفهام استقصار وتغيير بالمعاندة وقلة الإنصاف ، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة ولم يتوقف إذعانه للحق ، وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسدادا بينه وبين الإذعان ، وكذلك في : هل فهمتها ؟ توبيخ بالبلادة وكله القريحة ، وفي
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
« 2 » بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه . انتهى كلامه . وهو حسن ، وأكثره من باب الخطابة .
فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا
أي إن دخلوا في الإسلام فقد حصلت لهم الهداية ، وعبر بصيغة الماضي المصحوب بقد الدالة على التحقيق مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى ، ومن الظلمة إلى النور . انتهى .
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ
أي : هم لا يضرونك بتوليهم ، وما عليك أنت إلّا تنبيههم بما تبلغه إليهم من طلب إسلامهم وانتظامهم في عبادة اللّه وحده ، وقيل : إنها آية
هامش
( 2 - 1 ) سورة المائدة : 5 / 91 .