تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 725

مساهمون:

ص٧٢٥
فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ
أي إذا خرجوا من عندك رووا وسووا أي : طائفة منهم غير الذي تقوله لك يا محمد من إظهار الطاعة ، وهم في الباطن كاذبون عاصون ، فعلى هذا الضمير في تقول عائد على الطائفة ، وهو قول ابن عباس . وقيل : يعود على الرسول أي : غير الذي تقوله وترسم به يا محمد ، وهو الخلاف والعصيان المشتمل عليه بواطنهم . ويؤيد هذا التأويل قراءة عبد اللّه بيت مبيت منهم يا محمد . وقرأ يحيى بن يعمر يقول : بالياء ، فيحتمل أن يكون الضمير للرسول ، ويكون التفاتا إذ خرج من ضمير الخطاب في من عندك ، إلى ضمير الغيبة . ويحتمل أن يعود على الطائفة ، لأنها في معنى القوم أو الفريق ، وخص طائفته بالتبيين لأنه لم يكونوا ليجتمعوا كلهم في دار واحدة ، أو لأنه إخبار عن من علم اللّه أنه يبقى على كفره ونفاقه . وأدغم حمزة وأبو عمرو بيت طائفة ، وأظهر الباقون .
وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ
أي : يكتبه في صحائف أعمالهم حسبما تكتبه الحفظة ليجازوا به . وقال الزجاج : يكتبه في كتابه إليك ، أي : ينزله في القرآن ويعلم به ويطلع على سرهم . وقيل : يكتب يعلم عبر بالكتابة عن العلم ، لأنه من ثمراتها .
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
هذا مؤكد لقوله :
وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
« 1 » أي لا تحدث نفسك بالانتقام منهم . وليس المعنى فاعرض عن دعوتهم إلى الإيمان وعن وعظهم . وقال الضحاك : معنى أعرض عنهم لا تخبر بأسمائهم فيجاهروك بالعداوة بعد المجاملة في القول ، ثم أمره بإدامة التوكل عليه ، فهو ينتقم لك منهم ، وهذا أيضا قبل نزول القتال .
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
قرأ الجمهور : يتدبرون بياء وتاء بعدها على الأصل . وقرأ ابن محيصن : بإدغام التاء في الدال ، وهذا استفهام معناه الإنكار أي : فلا يتأملون ما نزل عليك من الوحي ولا يعرضون عنه ، فإنه في تدبره يظهر برهانه ويسطع نوره ولا يظهر ذلك لمن أعرض عنه ولم يتأمله .
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
الظاهر أن المضمر في فيه عائد على القرآن ، وهذا في علم البيان الاحتجاج النظري ، وقوم يسمونه المذهب الكلامي . ووجه هذا الدليل أنه ليس من متكلم كلاما طويلا إلا وجد في كلامه اختلاف كثير ، إما في
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 80 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 725 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل