تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
وأما كونه خارجا عن أقوال البصريين فلأنه جعل اللام مؤكدة مقوية لتعدي يريد ، والمفعول متأخر ، وأضمر أن بعد هذه اللام . وأما كونه خارجا عن قول الكوفيين فإنهم يجعلون النصب باللام ، لا بأن ، وهو جعل النصب بأن مضمرة بعد اللام . وذهب بعض النحويين إلى أن اللام في قوله : ليبين لكم ، لام العاقبة ، قال : كما في قوله :
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
« 1 » ولم يذكر مفعول يبين . قال عطاء : يبين لكم ما يقربكم . وقال الكلبي : يبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير . وقيل : ما فصل من المحرمات والمحللات . وقيل : شرائع دينكم ، ومصالح أموركم . وقيل : طريق من قبلكم إلى الجنة . ويجوز عندي أن يكون من باب الإعمال ، فيكون مفعول ليبين ضميرا محذوفا يفسره مفعول ويهديكم ، نحو : ضربت وأهنت زيدا ، التقدير : ليبينها لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ، أي ليبين لكم سنن الذين من قبلكم . والسنن : جمع سنة ، وهي الطريقة . واختلفوا في قوله : سنن الذين من قبلكم ، هل ذلك على ظاهره من الهداية لسننهم ؟ أو على التشبيه ؟ أي : سننا مثل سنن الذين قبلكم . فمن قال بالأول أراد أنّ السنن هي ما حرم علينا وعليهم بالنسب والرضاع والمصاهرة . وقيل : المراد بالسنن ما عنى في قوله تعالى :
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
« 2 » وقيل : المراد بها ما ذكره في قوله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
« 3 » وقيل : طرق من قبلكم إلى الجنة . وقيل : مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين ، والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم ، وهذا قريب مما قبله . وعلى هذه الأقوال فيكون الذين من قبلكم المراد به الأنبياء وأهل الخير . وقيل : المراد بقوله سنن طرق أهل الخير والرشد والغي ، ومن كان قبلكم من أهل الحق والباطل ، لتجتنبوا الباطل ، وتتبعوا الحق . والذين قالوا : إنّ ذلك على التشبيه قالوا : إن المعنى أنّ طرق الأمم السابقة في هدايتها كان بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وبيان الأحكام ، وكذلك جعل طريقكم أنتم . فأراد أن يرشدكم إلى شرائع دينكم وأحكام ملتكم بالبيان والتفصيل ، كما أرشد الذين من قبلكم من المؤمنين . وقيل : الهداية في أحد أمرين : أما أنا خوطبنا في كل قصة نهيا أو أمرا
هامش
( 1 ) سورة القصص : 28 / 8 . ( 2 ) سورة النحل : 16 / 123 . ( 3 ) سورة الشورى : 42 / 13 .