الإماء خير لكم ، وعلى هذا فالخيرية ظاهرة . ويكون على هذا القول في الآية إيناس لنكاح الإماء ، وتقريب منه ، إذ كانت العرب تنفر عنه . وإذا جعل : وإن تصبروا عاما ، اندرج فيه الصبر المقيد وهو : عن نكاح الإماء ، وعن الزنا . إذ الصبر خير ، من عدمه ، لأنه يدل على شجاعة النفس وقوة عزمها ، وعظم إبائها ، وشدة حفاظها . وهذا كله يستحسنه العقل ، ويندب إليه الشرع ، وربما أوجبه في بعض المواضع . وجعل اللّه تعالى أجر الصابر موفاة بغير حساب ، وقد قال بعض أهل العلم : إنّ سائر العبادات لا بد لها من الصبر . قال تعالى :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
« 1 » .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
لما ندب بقوله : وأن تصبروا إلى الصبر عن نكاح الإماء ، صار كأنه في حيز الكراهة ، فجاء بصفة الغفران المؤذنة بأنّ ذلك مما سامح فيه تعالى ، وبصفة الرحمة حيث رخص في نكاحهن وأباحه .
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
مفعول يتوب محذوف وتقديره : يريد اللّه هذا هو مذهب سيبويه فيما نقل ابن عطية ، أي : تحليل ما حلل ، وتحريم ما حرم ، وتشريع ما تقدّم ذكره . والمعنى : يريد اللّه تكليف ما كلف به عباده مما ذكر لأجل التبيين لهم بهدايتهم ، فمتعلق الإرادة غير التبيين وما عطف عليه ، هذا مذهب البصريين . ولا يجوز عندهم أن يكون متعلق الإرادة التبيين ، لأنه يؤدي إلى تعدي الفعل إلى مفعوله المتأخر بوساطة اللام ، وإلى إضمار أنّ بعد لام ليست لام الجحود ، ولا لام كي ، وكلاهما لا يجوز عندهم . ومذهب الكوفيين : أنّ متعلق الإرادة هو التبيين ، واللام هي الناصبة بنفسها لا أن مضمرة بعدها . وقال بعض البصريين : إذا جاء مثل هذا قدر الفعل الذي قبل اللام بالمصدر فالتقدير : إرادة اللّه لما يريد ليبين ، وكذلك أريد لا ينسى ذكرها ، أي : إرادتي لا ينسى ذكرها . وكذلك قوله تعالى :
وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
« 2 » أي :
أمرنا بما أمرنا لنسلم انتهى . وهذا القول نسبه ابن عيسى لسيبويه والبصريين ، وهذا يبحث في علم النحو .
وقال الزمخشري : أصله يريد اللّه أن يبين لكم ، فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين ، كما زيدت في لا أبا لك لتأكيد إضافة الأب ، والمعنى : يريد اللّه أن يبين لكم ما خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم انتهى كلامه وهو خارج عن أقوال البصريين والكوفيين .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 45 .
( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 71 .