تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
الجسمانية والفرح الروحاني ، حيث علم برضا اللّه عنه ، كما جاء في الحديث أنه تعالى : « يسأل أهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون : ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا . ففي هذه الآية الانتقال من عال إلى أعلى منه ، ولذلك جاء في سورة براءة ، قد ذكر تعالى الجنات والمساكن الطيبة فقال :
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
« 1 » يعنى أكبر مما ذكر من الجنات والمساكن . وقال الماتريدي : أهل الجنة مطهرون لأن العيوب في الأشياء علم الفناء ، وهم خلقوا للبقاء ، وخص النساء بالطهر لما فيهنّ في الدنيا من فضل المعايب والأذى . وقال أبو بكر : ورضوان ، بالضم حيث وقع إلّا في ثاني العقود ، فعنه خلاف . وباقي السبعة بالكسر ، وقد ذكرنا أنهما لغتان .
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
أي بصير بأعمالهم ، مطلع عليها ، فيجازي كلا بعمله ، فتضمنت الوعد والوعيد . ولما ذكر المتقين أفهم مقابلهم فختم الآية بهذا .
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ
لما ذكر أن الجنة للمتقين ذكر شيئا من صفاتهم ، فبدأ بالإيمان الذي هو رأس التقوى ، وذكر دعاءهم ربهم عند الإخبار عن أنفسهم بالإيمان ، وأكد الجملة ب : إن ، مبالغة في الإخبار ، ثم سألوا الغفران ووقايتهم من العذاب مرتبا ذلك على مجرد الإيمان ، فدل على أن الإيمان يترتب عليه المغفرة ، ولا يكون الإيمان عبارة عن سائر الطاعات ، كما يذهب إليه بعضهم ، لأن من تاب وأطاع اللّه لا يدخله النار بوعده الصادق ، فكان يكون السؤال في أن لا يفعله مما لا ينبغي ، ونظيرها ،
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً
« 2 » الآية ، فالصفات الآتية بعد هذا ليست شرائط بل هي صفات تقتضي كمال الدرجات . وقال الماتريدي : مدحهم تعالى بهذا القول ، وفيه تزكية أنفسهم بالإيمان ، واللّه تعالى نهى عن تزكية الأنفس بالطاعات ، كما قال تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
« 3 » فلو كان الإيمان اسما لجميع الطاعات لم يرض منهم التزكية بالإيمان ، كما لم يرضها بسائر الطاعات ، فالآية حجة على من جعل الطاعات من الإيمان ،
هامش
( 1 ) سورة براءة ( التوبة ) : 9 / 72 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 193 . ( 3 ) سورة النجم : 53 / 32 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 56 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل