تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
الجر واحد معموله ، وحذف معمول تحسبن الأول ، وبقي معموله الثاني ، لأنه لم يتنازع فيه ، إنما التنازع بالنسبة إلى المفعول الأول . وساغ حذفه وحده ، كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه : متى رأيت أو قلت : زيد منطلق ، لأن رأيت وقلت في هذه المسألة تنازعا زيد منطلق ، وفي الآية : لم يتنازعا إلا في المفعول الواحد ، وتقدير المعنى : ولا تحسبن ما آتاهم اللّه من فضله هو خيرا لهم الناس الذين يبخلون به ، فعلى هذا التقدير والتخريج يكون هو فصلا لما آتاهم المحذوف ، لا لتقديرهم بخلهم . ونظير هذا التركيب ظن الذي مرّ بهند هي المنطلقة المعنى ، ظن هندا الشخص الذي مرّ بها هي المنطلقة ، فالذي تنازعه الفعلان هو الاسم الأول ، فاعمل الفعل الثاني وبقي الأول يطلب محذوفا ، ويطلب المفعول الثاني مثبتا ، إذ لم يقع فيه التنازع . ولما تضمن النهي انتفاء كون البخل أو المبخول به خيرا لهم ، وكان تحت الانتفاء قسمان : أحدهما أن لا خير ولا شر ، والآخر إثبات الشر ، أتى بالجملة التي تعين أحد القسمين وهو : إثبات كونه شرا لهم .
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
هذا تفسير لقوله :
بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ
« 1 » والظاهر حمله على المجاز ، أي سيلزمون عقابه إلزام الطوق ، وفي المثل لمن جاء بهنة تقلدها طوق الحمامة . وقال إبراهيم النخعي : سيجعل لهم يوم القيامة طوق من نار . قال مجاهد وغيره : هو من الطاقة لا من التطويق ، والمعنى : سيحملون عقاب ما بخلوا به . كقوله :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
« 2 » وقال مجاهد : سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به . وهذا التفسير لا يناسب قوله : إن البخل هو العلم الذي تفضل اللّه عليهم به من أمر الرسول . وقال أبو وائل : هو الرجل يرزقه اللّه مالا فيمنع منه قرابته الحق الذي جعل اللّه لهم في ماله ، فيجعل حية يطوقها فيقول : ما لي ولك ، فيقول : أنا مالك . وجاء في الحديث : « ما من ذي رحم يأتي ذا رحمة فيسأله من فضل عنده فيبخل به عليه إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوقه » والأحاديث في مثل هذا من منع الزكاة واكتناز المال كثيرة صحيحة .
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فيه قولان : أحدهما أنه تعالى له ملك جميع ما يقع من إرث في السماوات والأرض ، وأنه هو المالك له حقيقة ، فكل ما يحصل لمخلوقاته مما ينسب إليهم ملكه هو مالكه حقيقة . وإذا كان هو مالكه فما لكم تبخلون بشيء أنتم ممتعون به لا مالكوه حقيقة ، كما قال تعالى :
وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 180 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 184 . ( 3 ) سورة الحديد : 57 / 7 .