تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
وحتى للغاية المجرّدة ، والتقدير : إلى أن يميزها كذا قالوا ، وهو مشكل على أن تكون غاية على ظاهر اللفظ ، لأنه يكون المعنى : لا يتركهم مختلطين إلى أن يميز ، فيكون قد غيا نفي الترك إلى وجود التمييز ، فإذا وجد التمييز تركهم على ما هم عليه من الاختلاط ، وصار نظير ما أضرب زيدا إلى أن يجيء عمرو ، فمفهومه : إذا جاء عمرو ضربت زيدا ، وليس المراد من الآية هذا المعنى ، وإنما هي غاية لما تضمنه الكلام السابق من المعنى الذي يصح أن يكون غاية له . ومعنى ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه : أنه تعالى يخلص ما بينكم بالابتلاء والامتحان ، إلى أن يميز الخبيث من الطيب . وقرأ الأخوان : يميز من ميز ، وباقي السبعة يميز من ماز . وفي رواية عن ابن كثير : يميز من أماز ، والهمزة ليست للنقل ، كما أن التضعيف ليس للنقل ، بل أفعل وفعل بمعنى الثلاثي المجرّد كحزن وأحزن ، وقدر اللّه وقدّر .
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
لمّا قدم أنه تعالى هو الذي يميز الخبيث من الطيب وليس لهم تمييز ذلك ، أخبر أنه لا يطلع أحدا من المخاطبين على الغيب .
وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي
أي : يختار ويصطفي
مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
فيطلعه على ما شاء من المغيبات . فوقوع لكنّ هنا لكون هنا لكون ما بعدها ضدا لما قبلها في المعنى . إذ تضمن اجتباء من شاء من رسله اطلاعه إياه على ما أراد تعالى من علم الغيب ، فاطلاع الرسول على الغيب هو باطلاع اللّه تعالى بوحي إليه ، فيخبر بأنّ في الغيب كذا من نفاق هذا وإخلاص هذا فهو عالم بذلك من جهة الوحي ، لا من جهة اطلاعه نفسه من غير واسطة وحي على المغيبات . قال السدي وغيره : ليطلعكم على الغيب ، فيمن يؤمن ، ومن يبقى كافرا ، ولكنّ هذا رسول مجتبى . وقال مجاهد وابن جريج وغيره : هي في أمر أحد أي : ليطلعكم على أنكم تهزمون ، أو تكفون عن القتال . وقيل : ليطلعكم على المنافقين تصريحا بهم ، وتسمية بأعيانهم ، ولكن بقرائن أفعالهم وأقوالهم . والغيب هنا ما غاب عن البشر مما هو في علم اللّه تعالى من الحوادث التي تحدث ، ومن الأسرار التي في قلوب المنافقين ، ومن الأقوال التي يقولونها إذا غابوا عن الناس . وقال الزجاج وغيره : روي أن بعض الكفار قال : لم لا يكون جميعنا أنبياء ؟ فنزلت . وقيل : قالوا : لم لم يوح إلينا في أمر محمد ؟ فنزلت . وقيل : قالوا : نحن أكثر أموالا وأولادا فهلا كان الوحي إلينا ، فنزلت . وقيل : كانت الشياطين يصعدون إلى السماء فيسترقون السمع ، فيأتون بأخبارها إلى الكهنة قبل أن يبعث