تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنزلها اللّه بعد بعثته . ولكن اللّه يصطفي من يشاء فيجعله رسولا فيوحي إليه ، أي : ليس الوحي من السماء لغير الأنبياء . وظاهر الآية هو ما قدّمناه من أنه تعالى هو الذي يميز بين الخبيث والطيب ، أخبر أنكم لا تدركون أنتم ذلك ، لأنه تعالى لم يطلعكم على ما أكنته القلوب من الإيمان والنفاق ، ولكنه تعالى يختار من رسله من يشاء فيطلعه على ذلك ، فتطلعون عليه من جهة الرسول بإخباره لكم عن ذلك بوحي اللّه . وهذا معنى ما روي أيضا عن السدي أنه قال : حكم بأنه يظهر هذا التمييز . ثم بيّن بهذه الآية أنه لا يجوز أن يجعل هذا التمييز في عوام الناس بأن يطلعهم على غيبه فيقولون : إنّ فلانا منافق ، وفلانا مؤمن . بل سنة اللّه تعالى جارية بأن لا يطلع عوام الناس ، ولا سبيل لهم إلى معرفة ذلك إلا بالامتحان . فأمّا معرفة ذلك على سبيل الاطلاع على الغيب فهو من خواص الأنبياء ، ولهذا قال تعالى : ولكن اللّه يجتبي من رسله من يشاء ، فيخصهم بإعلام أن هذا مؤمن وهذا منافق . وهذه الأقوال كلها والتفاسير مشعرة بأنّ هذا الغيب الذي نفى اللّه اطلاع الناس عليه راجع إلى أحوال المؤمنين والمنافقين ، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل العموم . أي : ما كان اللّه ليجعلكم كلكم عالمين بالمغيبات من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عنه ، بل اللّه يخص من يشاء من عباده بذلك وهو الرسول ، فتندرج أحوال المنافق والمؤمن في هذا العام .
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
لما ذكر أنه تعالى يختار من رسله من يشاء فيطلعه على المغيبات ، أمر بالتصديق بالمجتبى ، والمجتبى ومن يشاء هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ ثبتت نبوته باطلاع اللّه إياه على المغيبات ، وإخباره لكم بها في غير ما موطن . وجمع في قوله ورسله تنبيها على أنّ طريق إثبات نبوة جميع الأنبياء واحدة ، وهو ظهور المعجز على أيديهم . قال الزمخشري في قوله تعالى : فآمنوا باللّه ورسله ، بأن تقدروه حق قدره ، وتعلمونه وحده مطلعا على الغيوب ، وأن ينزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبادا مجتبين لا يعلمون إلا ما علمهم اللّه ، ولا يخبرون إلا بما أخبر اللّه به من الغيوب ، وليسوا من علم الغيب في شيء انتهى .
وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
رتب حصول الأجر العظيم على الإيمان ، والمعنى : الإيمان السابق ، وهو الإيمان باللّه ورسله ، وعلى التقوى وهي زائدة على الإيمان ، وكأنها مرادة في الجملة السابقة فكأنه قيل : فآمنوا باللّه ورسله واتقوا اللّه .
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ