تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
للّه والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا ، إلا بعضهم . وعن عروة بن الزبير قالت لي عائشة : أن أبويك لممن استجابوا للّه والرسول تعني : أبا بكر والزبير انتهى . وقال أبو البقاء : منهم حال من الضمير في أحسنوا ، فعلى هذا تكون من للتبعيض وهو قول من لا يرى أن من تكون لبيان الجنس .
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
قيل : أريد بالناس الأول أبو نعيم بن مسعود الأشجعي ، وهو قول : ابن قتيبة ، وضعفه ابن عطية . وبالثاني : أبو سفيان . وتقدّم ذكر قصة نعيم وذكرها المفسرون مطولة ، وفيها : أنّ أبا سفيان جعل له جعلا على تثبيط الصحابة عن بدر الصغرى وذلك عشرة من الإبل ضمنها له سهيل بن عمرو ، فقدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأفزع الناس وخوفهم اللقاء ، فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي » فأما الجبان فرجع ، وأما الشجاع فتجهز للقتال وقال : حسبنا اللّه ونعم الوكيل ، فوافى بدرا الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون : قد جمعوا لكم ، وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام ، فأقام ببدر ينتظر أبا سفيان ، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة ، فسمى أهل مكة حبسة جيش السويق قالوا : إنما خرجتم لتشربوا السويق . وكانت مع الصحابة تجارات ونفقات ، فباعوا وأصابوا للدّرهم درهمين ، وانصرفوا إلى المدينة غانمين ، وحسبها الرسول لهم غزوة ، وظفر في وجهه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن العاص وأبي غزة الجمحي فقتلهما . فعلى هذا القول أن المثبط أبو نعيم وحده ، وأطلق عليه الناس على سبيل المجاز ، لأنه من جنس الناس كما يقال : فلان يركب الخيل ، ويلبس البرود ، وما له إلا فرس واحد ، وبرد واحد ، قاله الزمخشري . وقال أيضا : ولأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه ، ويثبطون مثل تثبيطه انتهى . ولا يجيء هذا على تقدير السؤال وهو : أن نعيما وحده هو المثبط ، لأنه قد انضاف إليه ناس ، فلا يكون إذ ذاك منفردا بالتثبيط . وقيل : الناس الأول ركب من عبد القيس مرّوا على أبي سفيان يريدون المدينة للميرة ، فجعل لهم جعلا وهو حمل إبلهم زبيبا على أن يخبروا أنه جمع ليستأصل بقية المؤمنين ، فأخبروا بذلك ، فقال الرسول وأصحابه وهم إذ ذاك بحمراء الأسد :
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
والناس الثاني قريش ، وهذا القول أقرب إلى مدلول اللفظ .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 436 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل