تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
بالزلفى عند اللّه والقرب منه أشرف من الوصف بالرزق . وأن يكون حالا من الضمير المستكن في الظرف ، ويكون العامل فيه في الحقيقة هو العامل في الظرف . قال ابن عطية : أخبر تعالى عن الشهداء أنهم في الجنة يرزقون ، هذا موضع الفائدة . ولا محالة أنهم ماتوا ، وإنّ أجسادهم في التراب ، وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين . وفضّلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل ، حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم . فقوله : بل أحياء مقدمة لقوله : يرزقون ، إذ لا يرزق إلا حي . وهذا كما يقول لمن ذم رجلا . بل هو رجل فاضل ، فتجيء باسم الجنس الذي تركب عليه الوصف بالفضل انتهى ما قاله ابن عطية . ولا يلزم ما ذكره من أن لفظة أحياء جيء بها مجتلبة لذكر الرزق ، لكون الحياة مشتركا فيها الشهيد والمؤمنون ، لأنه يجوز أن يكون هذا الإخبار بحياة الشهداء متقدما على الإخبار بأن أرواح المؤمنين على العموم حية فاستفيد ، أو لا حياة أرواح الشهداء ، ثم جاء بعد الإخبار بحياة أرواح المؤمنين . وأيضا ففي ذكره النص على نقيض ما حسبوه وهو : كون الشهداء أمواتا . والبعد عن أن يراد بقوله : يرزقون ، ما يحتمله المضارع من الاستقبال . فإذا سبقه ما يدل على الالتباس بالوصف حالة الإخبار كان حكم ما بعده حكمه ، إذ الأصل في الإخبار أن يكون من أسندت إليه متصفا بذلك في الحال ، إلا إن دلت قرينة على مضي أو استقبال من لفظ أو معنى ، فيصار إليه .
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
أي مسرورين بما أعطاهم اللّه من قربه ، ودخول جنته ، ورزقهم فيها ، إلى سائر ما أكرمهم به ، ولا تعارض بين : فرحين ، وبين
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
« 1 » في قصة قارون . لأنّ ذاك بالملاذ الدنيوية ، وهذا بالملاذ الأخروية . ولذاك جاء قل بفضل اللّه وبرحمته ، فبذلك فليفرحوا وجاء :
وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
« 2 » . ومن يحتمل أن تكون للسبب ، أي : ما آتاهم اللّه متسبب عن فضله ، فتتعلق الباء بآتاهم . ويحتمل أن تكون للتبعيض ، فتكون في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد على ما ، أي : بما آتاهموه اللّه كائنا من فضله . ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية ، فتتعلق بآتاهم . وجوّزوا في فرحين أن يكون حالا من الضمير في يرزقون ، أو من الضمير في الظرف ، أو من الضمير في أحياء ، وأن يكون صفة لأحياء إذا نصب .
هامش
( 1 ) سورة القصص : 28 / 176 . ( 2 ) سورة المطففين : 83 / 26 .