تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أكذبهم اللّه تعالى في دعواهم ذلك ، فكأنه قيل : القتل ضرب من الموت ، فإن كان لكم سبيل إلى دفعه عن أنفسكم بفعل اختياري فادفعوا عنها الموت ، وإن لم يكن ذلك دلّ على أنكم مبطلون في دعواكم . والدرة : الدفع ، وتقدّمت مادته في قوله : « فادارأتم فيها » « 1 » وقال دغفل النسابة :
صادف درء السيل درأ يدفعه * والعبء لا تعرفه أو ترفعه
والمعنى : إن كنتم صادقين في دعواكم أنّ التحيل والتحرز ينجي من الموت ، فجدّوا أنتم في دفعه ، ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا بل لا بد أن يتعلق بكم بعض أسباب المنون . وهب أنكم على زعمكم دفعتم بالقعود هذا السبب الخاص ، فادفعوا سائر أسباب الموت ، وهذا لا يمن لكم البتة . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود ، فما معنى قوله : إن كنتم صادقين ؟ ( قلت ) : معناه أنّ النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال ، وأن يكون غيره . لأن أسباب النجاة كثيرة . وقد يكون قتال الرجل نجاته ، ولو لم يقاتل لقتل ، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وإنكم صادقون في مقاتلتكم وما أنكرتم أن يكون السبب غيره ؟ ووجه آخر : إن كنتم صادقين في قولكم : لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا ، يعني : أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين ، كما قتلوا مقاتلين . وقوله : فادرؤا عن أنفسكم الموت ، استهزاء بهم ، أي إن كنتم رجالا دفاعين لأسباب الموت فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا انتهى كلامه . وهو حسن على طوله .
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
قيل : هم قتلى أحد ، وقيل : شهداء بئر معونة . وقيل : شهداء بدر . وهل سبب ذلك قول من استشهد وقد دخل الجنة فأكل من ثمارها : من يبلغ عنا إخواننا أنا في الجنة نرزق ، لا تزهدوا في الجهاد . فقال اللّه : أنا أبلغ عنكم ، فنزلت . أو قول من لم يستشهد من أولياء الشهداء : إذا أصابتهم نعمة نحن في النعمة والسرور ، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور ، فنزلت . وقرأ الجمهور : ولا تحسبن بالتاء ، أي ولا تحسبن أيها السامع . وقال الزمخشري : الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو لكل أحد . وقرأ حميد بن قيس وهشام بخلاف عنه بالياء ، أي :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 72 .