تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
تعالى أنّ الذي أصابهم يوم أحد كان لا محالة بإذن اللّه ، فهذا إخبار صحيح ، ومعنى صحيح ، فلا نتكلف تقديما ولا تأخيرا ، ونجعله من باب الشرط والجزاء .
وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا
هو على حذف مضاف أي : وليعلم إيمان المؤمنين ، ويعلم نفاق الذين نافقوا . أو المعنى : وليميز أعيان المؤمنين من أعيان المنافقين . وقيل : ليكون العلم مع وجود المؤمنين والمنافقين مساوقا للعلم الذي لم يزل ولا يزال . وقيل : ليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء . وقد تقدم تأويل مثل هذا في قوله :
لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ
« 1 » وقالوا : تتعلق الآية بمحذوف أي : ولكذا فعل ذلك . والذي يظهر أنه معطوف على قوله : بإذن اللّه ، عطف السبب على السبب . ولا فرق بين الباء واللام ، فهو متعلق بما تعلقت به الباء من قوله : فهو كائن . والذين نافقوا هنا عبد اللّه بن أبي وأصحابه .
وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا
القائل : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : عبد اللّه بن عمرو بن حرام الأنصاري أبو جابر بن عبد اللّه لما انخذل عبد اللّه بن أبي في نحو ثلاثمائة تبعهم عبد اللّه فقال لهم : اتقوا اللّه ولا تتركوا نبيكم ، وقاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا ، ونحو هذا من القول . فقال عبد اللّه بن أبي : ما أرى أن يكون قتال ، ولو علمناه لكنا معكم . فلما يئس منهم عبد اللّه قال : اذهبوا أعداء اللّه ، فسيغني اللّه عنكم ، ومضى حتى استشهد . قال السدي : وابن جريج ، ومجاهد ، والحسن ، والضحاك ، والفرّاء : معناه : كثروا السواد وإن لم تقاتلوا فتدفعون القوم بالتكثير . وقال أبو عون الأنصاري معناه : رابطوا ، وهو قريب من الأول ، لأن المرابط في الثغور دافع للعبد ، إذ لولاه لطرقها . قال أنس : رأيت عبد اللّه بن أم مكتوم يوم القادسية وعليه درع بجر أطرافها ، وبيده راية سوداء ، فقيل له : أليس قد أنزل اللّه عذرا ؟ قال : بلى ولكني أكثر المسلمين بنفسي . وقيل : القتال بالأنفس ، والدفع بالأموال . وقيل : المعنى أو ادفعوا حمية ، لأنه لمّا دعاهم أولا إلى أن يقاتلوا في سبيل اللّه وجد عزائمهم منحلة عن ذلك ، إذ لا باعث لهم في ذلك لنفاقهم ، فاستدعى منهم أن يدفعوا عن الحوزة ، فنبه على ما يقاتل لأجله : إمّا لإعلاء الدين ، أو لحمي الذمار . ألا ترى إلى قول قزمان : واللّه ما قاتلت إلا على أحساب قومي . وقول الأنصاري وقد رأى قريشا تريع زرع قناة : أترعى زروع بني قيلة ولما تضارب ، مع أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أن لا يقاتل أحد حتى يأمره .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 143 .