تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
لأنّ الاستفهام لم يقع عن المكان ولا عن الزمان هنا ، إنما الاستفهام وقع عن الحالة التي اقتضت لهم ذلك ، سألوا عنها على سبيل التعجب . وقال الزمخشري : أنى هذا من أين هذا ، كقوله : « أنى لك هذا » « 1 » لقوله : « من عند أنفسكم » « 2 » وقوله : « من عند اللّه » « 3 » انتهى كلامه . والظرف إذا وقع خبر للمبتدأ ألا يقدر داخلا عليه حرف جر غير في ، أما أن يقدّر داخلا عليه من فلا ، لأنه إنما انتصب على إسقاط في . ولك إذا أضمر الظرف تعدى إليه الفعل بوساطة في إلّا أن يتسع في الفعل فينصبه نصب التشبيه بالمفعول به ، فتقدير الزمخشري : أنى هذا ، من أين هذا تقدير غير سائغ ، واستدلاله على هذا التقدير بقوله : من عند أنفسكم ، وقوله : من عند اللّه ، وقوف مع مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ ، وذهول عن هذه القاعدة التي ذكرناها . وأمّا على ما قررناه ، فإنّ الجواب جاء على مراعاة المعنى ، لا على مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ . وقد تقرر في علم العربية أن الجواب يأتي على حسب السؤال مطابقا له في اللفظ ، ومراعى فيه المعنى لا اللفظ . والسؤال بأنى سؤال عن تعيين كيفية حصول هذا الأمر ، والجواب بقوله : من عند أنفسكم يتضمن تعيين الكيفية ، لأنه بتعيين السبب تتعين الكيفية من حيث المعنى . لو قيل على سبيل التعجب والإنكار : كيف لا يحج زيد الصالح ، وأجيب ذلك بأن يقال : بعدم استطاعته حصل الجواب وانتظم من المعنى ، أنه لا يحج وهو غير مستطيع .
قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ
الإضمار في هو راجع إلى المصيبة على المعنى ، لا على اللفظ . وتقدم تفسير المصيبة في تفسير مقابل المثلين : أهو القتل المقابل للقتل والأسر ، أو المقابل للقتل فقط ؟ أو الانهزام المقابل للانهزامين ؟ والمعنى : أن سبب هذه المصيبة صدر من عند أنفسكم . فقيل : هو الفداء الذي آثروه على القتل يوم بدر من غير إذن اللّه تعالى ، قال معناه : عمر بن الخطاب ، وعليّ ، والحسن ، وروى عليّ في ذلك : أنّه لما فرغت هزيمة المشركين يوم بدر جاء جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا محمد إن اللّه قد كره ما صنع قومك في أخذهم فداء الأسرى ، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين : أن يقدموا الأسرى فتضرب أعناقهم ، أو يأخذوا الفداء على أن يقتل من أصحابك عدة هؤلاء الأسرى ، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الناس ، فذكر ذلك لهم فقالوا : يا رسول اللّه عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ، ويستشهد منا عدتهم ، فليس في ذلك ما نكره » . فقتل
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 37 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 165 . ( 3 ) سورة آل عمران : 3 / 37 .