تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
الحوفي زعم أن في الكلام معنى الشرط . وقال ابن عطية : فأشبه الكلام الشرط . ودخول الفاء على ما قاله الجمهور وقرروه قلق هنا ، وذلك أنهم قرّروا في جواز دخول الفاء على خبر الموصول أنّ الصلة تكون مستقلة ، فلا يجيزون الذي قام أمس فله درهم ، لأن هذه الفاء إنما دخلت في خبر الموصول لشبهه بالشرط . فكما أن فعل الشرط لا يكون ماضيا من حيث المعنى ، فكذلك الصلة . والذي أصابهم يوم التقى الجمعان هو ماض حقيقة ، فهو إخبار عن ماض من حيث المعنى . فعلى ما قرّروه يشكل دخول الفاء هنا . والذي نذهب إليه : أنه يجوز دخول الفاء في الخبر واصلة ماضية من جهة المعنى لورود هذه الآية ، ولقوله تعالى :
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ
« 1 » ومعلوم أن هذا ماض معنى مقطوع بوقوعه صلة وخبر ، أو يكون ذلك على تأويل : وما يتبين إصابته إياكم . كما تأولوا : « إن كان قميصه قدّ » « 2 » أي إن تبين كون قميصه قدّ . وإذا تقرّر هذا فينبغي أن يحمل عليه قوله تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
« 3 »
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
« 4 » فإن ظاهر هذه كلها إخبار عن الأمور الماضية . ويكون المعنى على التبين المستقبل . وفسر الإذن هنا بالعلم . وعبر عنه به لأنه من مقتضياته قاله : الزّجاج . أو بتمكين اللّه وتخليته بين الجمعين قاله : القفال . أو بمرأى ومسمع ، أو بقضائه وقدره . وقال الزمخشري : فهو كائن بإذن اللّه ، استعار الإذن لتخلية الكفار ، وأنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم ، لأن الآذن مخل بين المأذون له ومراده . انتهى . وفيه دسيسة الاعتزال ، لأنّ قتل الكفار للمؤمنين قبيح عنده ، فلا إذن فيه . وقال ابن عطية : يحسن دخول الفاء إذا كان سبب الإعطاء ، وكذلك ترتيب هذه الآية . فالمعنى : إنما هو وما أذن اللّه فيه فهو الذي أصاب ، لكن قدّم الأهم في نفوسهم والأقرب إلى حسهم . والإذن : التمكين من الشيء مع العلم به انتهى كلامه . لما كان من حيث المعنى أن الإصابة مترتبة على تمكين اللّه ، من ذلك حمل الآية على ذلك ، وادّعى تقديما وتأخيرا ، ولا تحتاج الآية إلى ذلك ، لأنه ليس شرطا وجزاء فيحتاج فيه إلى ذلك ، بل هذا من باب الإخبار عن شيء ماض ، والإخبار صحيح . أخبر
هامش
( 1 ) سورة الحشر : 59 / 6 . ( 2 ) سورة يوسف : 12 / 26 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 79 . ( 4 ) سورة الشورى : 42 / 30 .