تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
المنافقون ، وقالوا : غشي النعاس أهل الإيمان والإخلاص ، فكان سببا لأمنهم وثباتهم . وعرى منه أهل النفاق والشك ، فكان سببا لجزعهم وانكشافهم عن مراتبهم في مصافهم انتهى . ويقال : أهمني الشيء ، أي : كان من همي وقصدي . أي : مما أهم به وأقصد . وأهمني الأمر أقلقني وأدخلني في الهم ، أي الغم . فعلى هذا اختلف المفسرون في قد أهمتهم أنفسهم . فقال قتادة والرّبيع وابن إسحاق وأكثرهم : هو بمعنى الغم ، والمعنى : أن نفوسهم المريضة وظنونهم السيئة قد جلبت إليهم خوف القتل ، وهذا معنى قول الزمخشري : أو قد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الغموم والأشجان ، فهم في التشاكي . وقال بعض المفسرين : هو من همّ بالشيء أراد فعله . والمعنى : أهمتهم أنفسهم المكاشفة ونبذ الدين . وهذا القول من قال : قد قتل محمد فلترجع إلى ديننا الأول ، ونحو هذا من الأقوال . وقال الزمخشري في قوله : قد أهمتهم أنفسهم ، ما بهم إلا همّ أنفسهم ، لا هم الدّين ، ولا هم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين انتهى . فيكون من قولهم : أهمني الشيء أي : كان من همي وإرادتي . والمعنى : أهمهم خلاص أنفسهم خاصة ، أي : كان من همهم وإرادتهم خلاص أنفسهم فقط ، ومن غير الحق يظنون أن الإسلام ليس بحق ، وأن أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يذهب ويزول . ومعنى ظن الجاهلية عند الجمهور : المدة الجاهلية القديمة قبل الإسلام ، كما قال :
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
« 1 »
وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ
« 2 » وكما تقول : شعر الجاهلية . وقال ابن عباس : سمعت أبي في الجاهلية يقول : اسقنا كأسا دهاقا . وقال بعض المفسرين : المعنى ظن الفرقة الجاهلية ، والإشارة إلى أبي سفيان ومن معه ، ونحا إلى هذا القول : قتادة والطبري . قال مقاتل : ظنوا أن أمره مضمحل . وقال الزجاج : إن مدّته قد انقضت . وقال الضحاك عن ابن عباس : ظنوا أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد قتل . وقيل : ظن الجاهلية إبطال النبوّات والشرائع . وقيل : يأسهم من نصر اللّه وشكهم في سابق وعده بالنصرة . وقيل : يظنون أن الحق ما عليه الكفار ، فلذلك نصروا . وقيل : كذبوا بالقدر . قال الزمخشري : وظن الجاهلية كقولك : حاتم الجود ورجل صدق ، تريد الظن المختص بالملة الجاهلية . ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية ، أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون باللّه . انتهى وظاهر قوله : هل لنا من الأمر من شيء الاستفهام ؟
هامش
( 1 ) سورة الفتح : 48 / 26 . ( 2 ) سورة الأحزاب : 33 / 33 .