تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
قال ابن عباس : والذي فاتهم من الغنيمة ، والذي أصابهم من الفشل والهزيمة ، ومما تحتمله الآية : أنه لما ذكر اصعادهم وفرارهم مجدّين في الهرب في حال ادعاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إليه بالرجوع عن الهرب والانحياز إلى فئته ، كان الجد في الهرب سببا لاتصال الغموم بهم ، وشغلهم بأنفسهم طلبا للنجاة من الموت ، فصار ذلك أي : شغلهم بأنفسهم واغتمامهم المتصل بهم من جهة خوف القتل سببا لانتفاء الحزن على فائت من الغنيمة ، ومصاب من الجراح والقتل لإخوانهم ، كأنه قيل : صاروا في حالة من اغتمامهم واهتمامهم بنجاة أنفسهم بحيث لا يخطر لهم ببال حزن على شيء فائت ولا مصاب وإن جل ، فقد شغلهم بأنفسهم لينتفي الحزن منهم .
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
هذه الجملة تقتضي تهديدا ، وخص العمل هنا وإن كان تعالى خبيرا بجميع الأحوال من الأعمال والأقوال والنيات ، تنبيها على أعمالهم من تولية الأدبار والمبالغة في الفرار ، وهي أعمال تخشى عاقبتها وعقابها .
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً
الأمنة : الأمن ، قاله : ابن قتيبة وغيره . وفرق آخرون فقالوا : الأمنة تكون مع بقاء أسباب الخوف ، والأمن يكون مع زوال أسبابه . وقرأ الجمهور : أمنة بفتح الميم ، على أنه بمعنى الأمن . أو جمع آمن كبار وبررة ، ويأتي إعرابه . وقرأ النخعي وابن محيصن : أمنة بسكون الميم ، بمعنى الأمن . ومعنى الآية : امتنان اللّه عليهم بأمنهم بعد الخوف والغم ، بحيث صاروا من الأمن ينامون . وذلك أن الشديد الخوف والغم لا يكاد ينام . ونقل المفسرون ما أخبرت به الصحابة من غلبة النوم الذي غشيهم كأبي طلحة ، والزبير ، وابن مسعود . واختلفوا في الوقت الذي غشيهم فيه النعاس . فقال الجمهور : حين ارتحل أبو سفيان من موضع الحرب ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعلي وكان من المتحيزين إليه : « اذهب فانظر إلى القوم فإن كانوا جنبوا الخيل فهم ناهضون إلى مكة ، وإن كانوا على خيلهم فهم عائدون إلى المدينة فاتقوا اللّه واصبروا » ووطنهم على القتال ، فمضى علي ثم رجع فأخبر : أنهم جنبوا الخيل ، وقعدوا على أثقالهم عجالا ، فأمن المؤمنون المصدقون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وألقى اللّه تعالى عليهم النعاس . وبقي المنافقون الذين في قلوبهم مرض لا يصدقون ، بل كان ظنهم أنّ أبا سفيان يؤم المدينة ، فلم يقع على أحد منهم نوم ، وإنما كان همهم في أحوالهم الدنيوية . وثبت في البخاري من حديث أبي طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه ، وفي طريق رفعت رأسي فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميل تحت